ملا علي القاري
324
شرح كتاب الفقه الأكبر
وسمع موسى عليه السلام كلام اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . وقد كان اللّه تعالى متكلّما ولم يكن كلّم موسى عليه السلام وقد كان اللّه تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق وليس كمثله شيء وهو السميع البصير . فلما كلّم اللّه موسى كلّمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا ويسمع لا كسمعنا ويتكلم لا ككلامنا . ونحن نتكلم بالآلات والحروف واللّه تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام اللّه تعالى غير مخلوق . وهو شيء لا كالأشياء ومعنى الشيء إثباته بلا جسم ولا جوهر ولا عرض ، ولا حدّ له ولا ضدّ له ولا ندّ له ولا مثل له . وله يد ووجه ونفس كما ذكره اللّه تعالى في القرآن ، فما ذكره اللّه تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال : إن يده قدرته أو نعمته ، لأن فيه إبطال الصفة . وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف . خلق اللّه تعالى الأشياء لا من شيء ، وكان اللّه تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونهما وهو الذي قدّر الأشياء وقضاها ، ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ ولكن كتبه بالوصف لا بالحكم ، والقضاء والقدر والمشيئة صفاته في الأزل بلا كيف يعلم اللّه تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما ، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده ، ويعلم اللّه تعالى الموجود في حال وجوده موجودا ، ويعلم أنه كيف يكون فناؤه ، ويعلم اللّه تعالى القائم في حال قيامه قائما ، وإذا قعد علمه قاعدا في حال قعوده من غير أن يتغيّر علمه أو يحدث له علم ، ولكن التغيّر والاختلاف يحدث في المخلوقين . خلق اللّه تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان ، ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان اللّه تعالى إياه وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق اللّه تعالى إياه ونصرته له . أخرج ذريّة آدم من صلبه على صور الذرّ فجعلهم عقلاء فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر فأقرّوا له بالربوبية ، فكان ذلك منهم إيمانا فهم يولدون على تلك الفطرة ، ومن كفر بعد ذلك فقد بدّل وغيّر ، ومن آمن وصدق فقد ثبت عليه وداوم . ولم يجبر أحدا من خلقه على الكفر ولا على الإيمان ولا خلقهم مؤمنا ولا كافرا ، ولكن خلقهم أشخاصا والإيمان والكفر فعل العباد ويعلم اللّه تعالى من يكفر في حال كفره كافرا فإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمنا في حال إيمانه وأحبه من غير أن يتغيّر علمه وصفته .