ملا علي القاري

18

شرح كتاب الفقه الأكبر

اختلفوا فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » « 1 » . وبقوله : « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم » « 2 » . ومنها أن القول بالرأي والعقل المجرد في الفقه والشريعة بدعة وضلالة فأولى أن يكون ذلك في علم التوحيد ، والصفات بدعة وضلالة فقد قال فخر الإسلام علي البزدوي « 3 » في أصول الفقه : إنه يرد في الشرع دليل على أن العقل موجب ، ولا يجوز أن يكون موجبا وعلة بدون الشرع إذ العلل موضوعات الشرع ، وليس إلى العباد ذلك ، لأنه ينزع أي يسوق إلى الشركة ، فمن جعله موجبا بلا دليل شرعا فقد جاوز حدّ العباد وتعدّى عن حدّ الشرع على وجه العناد . ومنها الإصغاء إلى كلام الحكماء وأتباعهم من السفهاء حيث أعرضوا عن الآيات النازلة من السماء وخاضوا مع الجهلاء الذين يظن فيهم أنهم العقلاء والعلماء ، وقد نبّه اللّه تعالى على ذلك في كتابه حيث قال : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا . أي بالتأويلات الفاسدة والتعبيرات الكاسدة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ « 4 » فإن معنى الآية يشملهم إذ العبرة بعموم المبنى لا بخصوص السبب لذلك المعنى والتأويلات الباطلة والتحريفات العاطلة قد تكون كفرا ، وقد تكون فسقا ، وقد تكون معصية ، وقد تكون خطأ والخطأ في هذا الباب غير معفو ومرفوع بخلاف الخطأ في اجتهاد الفروع حيث لا وزر هنالك بل أجر يترتب على ذلك . وبهذا تبين وجه الفرق بين اجتهاد أهل البدعة مع اختلافهم وبين اجتهاد أهل السّنّة مع ائتلافهم ويشير إليه قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً « 5 » . وفي الحديث : « القرآن حجة لك أو عليك فهو كبحر النيل

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 770 والترمذي 3416 وأبو داود 776 والنسائي 3 / 212 - 213 والبغوي في شرح السّنّة 952 من حديث عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) أخرجه البخاري 6610 و 2405 ومسلم 2704 ح 46 وأبو داود 1527 والترمذي 3461 وابن ماجة 3824 وأحمد 4 / 407 وابن أبي شيبة 10 / 376 وابن حبان 804 والنسائي في اليوم والليلة 537 كلهم من حديث أبي موسى الأشعري وفي الباب عن أبي هريرة عند عبد الرزاق 20547 والنسائي في اليوم والليلة 13 وعن معاذ بن جبل عند النسائي 357 وعن أبي ذر عند أحمد 5 / 157 وابن ماجة 3825 . وانظر المطالب العالية 3 / 113 و 261 ومجمع الزوائد 10 / 97 - 99 . ( 3 ) علي بن محمد بن عبد الكريم بن موسى البزدوي الإمام الكبير فخر الإسلام . له تصانيف كثيرة معتبرة منها « المبسوط » و « شرح الجامع الكبير » و « شرح الجامع الصغير » و « أصول البزدوي » . ولد في حدود سنة 400 ه ، وتوفي في خامس رجب سنة 482 ه . انظر الفوائد البهية ص 124 . ( 4 ) الأنعام : 68 . ( 5 ) الإسراء : 82 .