ملا علي القاري

148

شرح كتاب الفقه الأكبر

متفاضلون في الأعمال . . .

--> - لمعاذ وهو رديفه على الرحل : « ما من عبد يشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرّمه على النار » . وفي صحيح مسلم 91 من حديث ابن مسعود : « لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان » . وهذه الأحاديث لا تؤخذ على إطلاقها لأن الأدلة من الكتاب والسّنّة متضافرة على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذّبون ، ثم يخرجون من النار بالشفاعة ، فتأوّله العلماء فيمن قرن ذلك بالأعمال الصالحة ، أو قالها تائبا ، ثم مات على ذلك ، أو أنه خرج ذلك مخرج الغالب ، إذ الموحّد يعمل بالطاعة ، ويجتنب المعصية ، أو أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها . ( 1 ) منهم الزهري والثوري وغيرهما ، قال الحافظ ابن رجي في « تحقيق كلمة الإخلاص » : وهذا بعيد جدّا ، فإن كثيرا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود ، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك ، وهو في آخر حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح ، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرا ، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض ، واجتناب المحارم ، فصارت تلك النصوص منسوخة أي : مبيّنة ومفسّرة ، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة ، أي : مفسّرة لمعنى تلك النصوص وموضّحة لها ، وقال : تلك النصوص المطلقة جاءت مقيّدة في أحاديث أخر ، ففي بعضها : « من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا » ، وفي بعضها : « متيقنا » ، وفي بعضها : « يصدق قلبه لسانه » ، وفي بعضها : « يقولها من قلبه » ، وفي بعضها : « قد ذلّ بها لسانه ، واطمأن بها لسانه ، واطمأن بها قلبه » وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحقّقه بمعنى الشهادتين ، فتحقّقه بلا إله إلا اللّه ، أن لا يألّه القلب غير اللّه حبّا ورجاء وخوفا وتوكّلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا ، وتحقّقه بمعنى : « وأن محمدا رسول اللّه » أن لا يعبد اللّه بغير ما شرعه اللّه على لسان رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم . ا . ه . ( 2 ) حديث البطاقة أخرجه أحمد 2 / 23 و 221 - 222 ، والترمذي 2641 ، وابن ماجة 4300 ، والبغوي 4321 من حديث الليث بن سعد ، عن عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، قال : سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلّا كل سجلّ مدّ البصر . . . » . وحسّنه الترمذي ، وصحّحه ابن حبان 225 ، والحاكم 1 / 525 ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا .