القاضي سعيد القمي
78
شرح توحيد الصدوق
نوريّ إدراكيّ ؛ ثمّ بعدها درجة الخيال ، والخيال عندنا : جوهر مجرد عن البدن وعن هذا العالم كلّه ، ولكن ليس مجرّدا عقليّا ، بل هو موجود في عالم إدراكي جزئي ونشأة جوهريّة قائمة لا في مادة ولا في مظهر آخر ، كما ظنّ القائلون بعالم المثال ، لأنّ ذلك العالم عالم مستقلّ عينيّ ، وجوده العينيّ عين الشعور والإدراك . والصّورة الخياليّة غير محتاجة في وجودها وبقائها إلى حضور مادّة جسمانيّة ولا هي موجودة في آلة دماغيّة ، وانما هي كالمرآة مخصّصة معدّة للنّفس على تصوير تلك الصور في عالمها الخاص الإدراكي ؛ ثمّ درجة الإدراك العقلي والوجود الكلّي وهو فوق النشأتين وغاية العالمين ومدركه في الإنسان هو العقل النّظريّ البالغ إلى رتبة العقول الفعّالة بعد خروجه من القوّة إلى الفعل ، وصيرورته إنسانا عقليّا بعد كونه إنسانا حيوانيّا بشريّا » . وقال في كتاب آخر : « انّ الإحساس بأن يفيض من الواهب صورة نوريّة على قوّة من قوى النّفس يحصل بها الإدراك وهي المحسوسة بالفعل والحاسّة بالفعل ؛ وأمّا قبل حصولها فلم تكن القوّة حاسّة ولا محسوسة ، فالمسمّى ب « المحسوس » ينقسم إلى محسوس بالقوة وهي الصّورة الخارجية كالضّوء مثلا ، وإلى محسوس بالفعل وهو لا يكون محسوسا بغير جوهره الحاسّ ، بل هو متحدّ مع الحاسّ » . ثمّ استدلّ على هذا فقال : « إذا لم تكن ذاته متصوّرة بصورة المحسوس فبأيّ شيء تنالها ، أبذاتها العارية ؟ وذلك محال وهل ذلك مثل أن يبصر الأعمى شيئا ؟ ! أو تنال تلك الصورة بالصورة فتكون تلك الصورة حاسّة ومحسوسة » - انتهى . أقول : إن أراد بالفيضان ارتفاع الغشاوة التي قلنا فهو هو والّا فهو الّذي تراه ! تنبيه على فائدة شريفة تستنبط من قوله - عليه السّلام - : « والمعرفة والتميز من القلب » اعلم انّ مصطلح الأخبار والمعروف عند الأبرار انّ « القلب » هو اللّطيفة الإلهية