القاضي سعيد القمي

102

شرح توحيد الصدوق

ومن تلك الدّرجات مراتب الحروف والكلمات ، فلها في كلّ موطن ظهور يناسب تلك المرتبة وكلّ يسبّح بحمد ربّه بألسنة ناطقة وكلمات مسموعة لمن له اذن واعية . واختلفت الألسنة والتّسبيحات إلى أن بلغ إلى الّذي ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » . ومن تلك الدرجات هو الرجوع القهقرى لكلّ شيء ، وتوجّه المعلولات إلى عللها ، ومعاد الفروع إلى أصولها أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 2 » وهذا الّذي يفهم من « الصّمد » هو نبذة من الأصول الخمسة وأحكام الشرائع والأديان الإلهية . ثمّ قال الباقر عليه السّلام : الحمد للّه الّذي منّ علينا ووفّقنا لعبادته ، الأحد الصّمد الّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وجنّبنا عبادة الأوثان حمدا سرمدا وشكرا واصبا . « السّرمد » بمعنى الدائم وقد يستعمل بمعنى فوق الدّهر والزّمان وهو الأزل الحقيقيّ أي عدم المسبوقية بشيء أصلا . و « الواصب » بمعنى الثّابت والدائم أيضا . لمّا ذكر عليه السّلام نعمة اللّه عليهم من اختصاصهم بالعلوم الوهبيّة ومعرفة الخواصّ العدديّة والحرفيّة ، عقّبها بالحمد والشكر بذكر صفاته المذكورة في السّورة المباركة المفسّرة على تلك النّعمة ، وعلى كونهم من العباد المخلصين الّذين لم يدنّسهم لوث الجاهلية بأدناسها ، ولم يخالطهم الشّرك والكفر والجحود بأنجاسها . ونحن نقول : والحمد للّه على ما هدانا إليهم ، وجعلنا من شيعتهم ومواليهم ، والمقتبسين من مشكاتهم والمستضيئين بأنوارهم والحمد للّه على ذلك . وقوله عزّ وجلّ : لم يلد ولم يولد يقول : لم يلد عزّ وجلّ فيكون له ولد يرثه في ملكه ، ولم يولد فيكون له والد يشركه في ربوبيّته وملكه ، ولم يكن له كفوا أحد فيعاونه في سلطانه .

--> ( 1 ) . اقتباس من الآيات 3 - 4 من سورة النجم : ما يَنْطِقُ عَنِ . . . . ( 2 ) . الشورى : 53 .