القاضي سعيد القمي

404

شرح توحيد الصدوق

مَرْضِيَّةً « 1 » وهذا النداء هو اقتضاؤها الذّاتي لاستجماعية الكمالات المتصورة في شأنها وميلها إلى مقرّها الأصليّ وعالمها الإلهي ، فتحرّكت للنّزوع إلى جلب تلك الكمالات واستيقظت من نومتها الّتي في مهاد الكيانيّات ، فأخذت في الطلب من كلّ جهة من أجزاء هذه المادة المنطبعة فيها ، والتمست الخروج من كلّ فرجة من فرج أبدانها ولمّا لم يكن للقوى البشرية استجلاب تلك الكمالات إلّا في المدد الطويلة وكان مزاج كلّ شخص في معرض الزوال دون مدى تلك الغاية ، فكلّما حصل لها كمال في ضمن أحد وسهل لها خلاص من مضيق جسد ، فكأنّه حصل لحصة وإن شئت قلت : لعضو أو قوّة من تلك النفس الشريفة خلاص حتّى ارتقى إلى مستوى الكمال الإنساني وعرج إلى قاب قوسين من النزولي والصّعودي وهو الإنسان الكامل ، فكأنّها كملت تلك النفس الإلهية بكلية حصصها وبتمام أعضائها وقواها في ذلك الشخص ولا سبيل إلى معرفة خصوص هذا الشخص الّا بوحي إلهي وكشف ربّاني ، كما ورد في الآيات والأخبار أنّه نبيّنا ورسول الثّقلين وخاتم النّبيّين وسيّد المرسلين ولذلك ختم به السّفارة الإلهيّة وتخلّق بقاطبة الأخلاق الإلهية كما خوطب بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 2 » وقال صلّى اللّه عليه وآله : « ادّبني ربّي فأحسن أدبي » « 3 » وكان جميع حروف الاسم الأعظم عنده الّا واحدة استأثر اللّه نفسه بها ، فهو الإنسان الكامل الصّادق عليه أنّه تقلب في الصّور بالتمام ، وتناسخ في الأصلاب والأرحام ، وله ولأخيه أن يقول : أنا آدم الأوّل ، وأنا نوح ، وأنا شيث وإبراهيم ، وأنا مع الأنبياء كلّهم ، وأنا معلّمهم ومنجيهم ، وأنا صاحب الكرّات والدّولات ، إلى غير ذلك كما ورد في خطبة

--> ( 1 ) . الفجر : 27 . ( 2 ) . القلم : 4 . ( 3 ) . الفتوحات ، ج 2 ، ص 284 .