القاضي سعيد القمي
384
شرح توحيد الصدوق
حيث يكون مع ذلك الوجوب الذاتي محتاجة إلى الجاعل التام كما سنبيّن ؛ ومنها ما يمكن له الوجود ومقابله كالأمور الماديّة حيث يكون الحامل لإمكانها موادّها القابلة لها . فالقسم الأول ، لمّا وجب له الوجود بالنظر إلى ذاته ومن المستحيل أن يكون ذاته فاعلا لذلك إذ يلزم أن يكون القابل فاعلا ، فهو محتاج إلى فاعل في الوجود جاعل إيّاه مفيض عليه بمحض الفضل ، لا بأن يجب عليه سبحانه تلك الإفاضة من غيره والّا لزم انفعاله تعالى من الغير ، ولا بأنّه عزّ شأنه أوجب على نفسه ذلك واقتضاه وذلك لأنّ الموجب للشيء والمقتضي له انما يستكمل به فكأنّه مضطرّ إلى وجود ذلك الشيء ، إذ لا يمكن تحقّقه بدونه وإن كان بعد مرتبة وجوده كما هو شأن اللّوازم بالنظر إلى الملزومات ، فيكون هو ناقصا فيكمل بوجود ذلك الشيء واللّه سبحانه فوق التمام ؛ وبالجملة ، لا يجب عليه سبحانه شيء لا من نفسه ولا من غيره ، ولا يمتنع عليه شيء حتى يكون عاجزا ، ولا يمكن عليه فعل شيء وتركه حتى يكون محتاجا إلى المرجّح ، بل الموادّ الثلاث كما لا يصدق على ذاته كذلك لا مصداق لها في أفعاله وصفاته وهذا من علم الرّاسخين وهذا هو معنى « القدرة المطلقة » . وأمّا « 1 » الاختيار المطلق فهو « 2 » أن يفيض الوجود منه بفضله وجوده حيث لا يوجب ذلك عليه شيء . وإلى ما قلنا أشار المعلم الأوّل « 3 » في أثولوجيا بقوله : « وأمّا الباري الأول ، فلا يلزم الأشياء العقليّة ولا الحسّية » فظهر أن هذا القسم من الأشياء مع أنها واجبات الوجود بالنظر إلى ذواتها فهي عاجزة عن جعل الوجود لنفسها فدلّ
--> ( 1 ) . امّا : - م . ( 2 ) . فهو : هو م . ( 3 ) . مرّ في ص 208 .