القاضي سعيد القمي

266

شرح توحيد الصدوق

ولا تخطر ببال أولي الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته . « جبهه » ، كمنعه وضربه : ضرب جبهته وردّه والاعتساف : الأخذ على غير الطّريق ، أي رجوع العقول عن الوصول إليه سبحانه حين ردّت عن ذلك المرام ، انّما كانت على اعتراف منها بأنّه لا يمكن الوصول إلى كنه معرفة اللّه لأنّه ميل عن قصد السبيل . فالباء في قوله « بجور الاعتساف » ليست صلة ل « ينال » ولا يخطر ببال أولي الأفكار خاطرة أيّ شيء يخطر بالبال من تقدير جلال عزّته ، بأن يقدّر له حدّ « 1 » ليمكن تعقّله ؛ تعالى عن ذلك كلّه ! لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لأنّه خلاف خلقه . تعليل لعدم الوصول وذلك لأنّه تعالى غير محدود ، بحدّ معين . والإدراك يستلزم التحديد أو كلّ ما يدخل في القوى المحدودة فهو محدود لإحاطة القوى به . والقوى أعمّ من المدارك العالية والمشاعر السّافلة . وهذا البرهان الّذي ذكر انّما هو من نفس المدّعى حيث قيد القوى بالمحدوديّة . والبرهان الآخر هو ما أشار إليه بقوله عليه السلام : « لأنّه خلاف خلقه » وبيانه : بعد تذكّرك ما تلونا عليك في السّوالف في تحقيق تعقل النفس للمعقولات : من أنّ تعقّل الشيء لا يمكن الا بأن يكون في العاقل سنخ من ذلك الشيء المعقول وهذا هو المراد « باتحاد العقل والعاقل والمعقول » ، الموروث عن الأقدمين . والدليل الإجمالي على ذلك هو انّ الشيء إذا كان عاقلا بذاته ولا محالة يكون معقولا بذاته فتعقّله لغيره يكون بذاته لا بشيء آخر والّا لم يكن عاقلا بذاته وقد فرض كذلك ، وإذا كان تعقّله بنفس ذاته فمعقوله يكون معقولا بنفس الذّات العاقلة ، فذلك المعقول يكون معقولا للعاقل بنفس ذات العاقل ، وقد كان هو نفسه معقولا بنفس ذاته ، فكما انّ عاقليته ومعقوليته لنفسه ، متّحدان بالذات متغايران بالاعتبار ،

--> ( 1 ) . حدّ : حدّاد .