القاضي سعيد القمي

238

شرح توحيد الصدوق

قلبيّ واعتقاد برهانيّ فهو العارف باللّه كمال العرفان ؛ وقلّ من أيقن بهذا حقّ الإيقان وإن كان الأكثر يتفوّه به في اللّسان . ولفظة « في » في قوله « متدان في بعده » ، يحتمل السببيّة ، كما في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ امرأة دخلت النّار في هرّة » « 1 » أي دنوّه من كلّ شيء ، انّما هو لبعده منه . وذلك لأنّه لمّا كان عزّ شأنه مباينا عن الموجودات بجميع الجهات فلا اختصاص له بشيء دون شيء ، فنسبته إلى الكلّ نسبة واحدة قيوميّة فيكون قريبا من كلّ شيء ، إذ لو كان بعيدا في بعده لكان هو في حدّ والأشياء في آخر ، فيلزم التحديد الممتنع عليه تعالى ؛ ويحتمل المصاحبة كما في قوله تعالى : ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ « 2 » وكذلك : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ « 3 » أي قريب من كلّ شيء مع بعده عنه بمعنى أنّ بعده عن الأشياء بعين قربه منها وإلّا لكان فيه تعالى جهة دون جهة . وقوله « لا بنظير » في موضع الحال كما كان قوله « لا برؤية » و « لا بصورة » كذلك ، أي كون هذا « الدّنوّ » معلّلا بالبعد أو كون دنوّه بعين بعده مختصا به تعالى شأنه لا نظير له في ذلك ، لا في المعنى ولا في الاسم ، بخلاف أكثر صفاته فانّها مشتركة مع الخلق في اللّفظ دون المعنى . « ولا يمثل بخليقته » أي ليس له مثل في خلقه حتى يمكن تشبيهه بالخلق ، ولا مثال له حتى يعرفوه بذلك المثال بل للّه المثل الأعلى في السّماوات والأرض بأنّ كلّ ما يؤتى ويتصوّر مثالا أو مثلا ( بالتحريك ) فهو أعلى ؛ إذ « كلّ ما ميّزتموه في أدقّ معانيه ، فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم » .

--> ( 1 ) . سنن ابن ماجة ، ج 2 ، كتاب الزهد ، حديث 4256 ، ص 1421 . ( 2 ) . الأعراف : 38 . ( 3 ) . القصص : 79 .