القاضي سعيد القمي

92

شرح توحيد الصدوق

وذلّ في الآخرة والأولى . وقوله عليه السلام : « عنه » متعلّق « بتجبّر » « 1 » والمعنى : ثبتت « 2 » الذّلة لمن ادّعى التجبّر متجاوزا عن اتّباع الله وعن الاعتقاد بأنّ السلطان للّه وحده . ولو كان ذلك لأحد ، فانّما هو أيضا من نعم اللّه جلّ مجده ليميّز الخبيث من الطّيّب « 3 » ولو أعجبك كثرته . وفي بعض النّسخ « غيره » بدل « عنه » فيكون « غير » للاستثناء ومعناه واضح . وبالجملة ، فذلّة الدّنيا والآخرة ثابتة لمن تجبّر عنه وعن رضاه : أمّا ذلّة الدنيا فانّه وإن رأى نفوذ مشيّته في بعض أموره ، واتّباع الخلق إيّاه في غروره ، ويسمع خفق « 4 » النّعال خلفه ، وكثرة الرّجال عن يمينه ويساره ، فانّه قد يعجز عن دفاع أدنى بليّة يصل إليه ، وقضيّة نمرود ممّا لا تخفى على أحد ، وسينصرف الخلق عنه في أقلّ زمان كما يرى من تغيّر الدّولات في الأزمان ؛ وأمّا في الآخرة ، فسيكشف الغطاء فيرى أنّه ليس له من نفسه سوى الفقر والمسكنة والعدم وفقدان النعمة وأنّ الكلّ من نعم اللّه حيث استدرجه بها « 5 » . ويرى أيضا براءة التابعين من المتبوعين « 6 » حيث حكم اللّه لهم كلّهم بالنّار وعذابها . ومن البيّن انّه كيف يجوز للمخلوق الّذي لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ، ان

--> ( 1 ) . بتجبر : بالتجاوز م ن د . ( 2 ) . ثبتت : ثبت د م . ( 3 ) . مقتبس من آية 100 من المائدة وآية 37 من الأنفال . ( 4 ) . الخفق : الصوت . ( 5 ) . الاستدراج هو الاستصعاد أو الاستنزال درجة فدرجة ( راجع : تفسير الميزان ، ج 8 ، ص 346 ذيل تفسير آيات 180 - 186 سورة الأعراف وتفسير مجمع البيان ، ج 4 ، ص 775 . ( 6 ) . مستفاد من قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ - البقرة : 167 .