القاضي سعيد القمي
88
شرح توحيد الصدوق
وبين مدركات أبصار الجمهور - حيث لم يتدرّجوا من درجة الحسّ - موازيات ، استعاروا عنها الألفاظ المطلقة . فالعليّ المطلق ، هو اللّه إذ لا يمكن قسمة الموجودات إلى درجات متفاوتة ، الّا والحقّ سبحانه في الدّرجة العليا كما انقسم الموجود : إلى سبب ومسبّب واللّه فوق الكلّ إذ هو مسبّب الأسباب ، وكذا : إلى حيّ وميّت والحيّ ، إلى درجاته « 1 » المختلفة فاللّه حيّ بذاته لا بحياة قائمة به « 2 » ، إلى غير ذلك كذا ذكره بعض العلماء . فعلى هذا ، لمّا كان العلوّ ، قسمين : علوّ مكان وعلوّ مكانة واللّه تعالى متعال عن المكان لا عن المكانة ، فمعنى العبارة انّ اللّه تعالى هو المتعالي عن رتبة الخلق بلا تباعد مكان منهم ، بل هو تعالى لا يخلو عنه مكان مع انّه ليس في شيء من المكان . وأنا أقول : النظر العرفاني ، يحكم بأنّ كلّ عال في درجات الاعتلاء ، فانّما علوّه باللّه لأنّهم لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ، فللّه العلوّ بذاته لا بغيره . والعلوّ بذاته ، يستلزم « العلوّ الذاتيّ » إذ ليس درجة من الدّرجات الوجودية الّا وقد أحاط بها « واللّه بكلّ شيء محيط » فهو مع كل عال في علوّه وله العلو الأعلى فوق كل عال ، فليس له « العلوّ الإضافي » إذ الكلّ مستهلك بالنسبة إليه فكيف يتحقّق الإضافة ؛ فمعنى الكلام : انّ اللّه عزّ شأنه متعال عن درجة خلقه بالقهر لها والإحاطة بكلّها من دون تباعد منهم بأن تترتّب الدّرجات إلى أن « 3 » ينتهي إليه سبحانه حتى تكون نسبة الأشياء إليه متفاوتة في القرب والبعد بل هو سبحانه محيط بجميع الأشياء واستوى بالنسبة إليها « فالعلوّ الذاتيّ » هو أن يكون العليّ مع كونه فوق الكلّ
--> ( 1 ) . درجاته : درجات د . ( 2 ) . به : - ن . ( 3 ) . ان : - ن .