أحمد بن علي الرازي

86

شرح بدء الأمالي

3 - باب في معنى الغضب والرضى وهو يرضى لعبده ويغضب * لكن هما منه بلا مثال واعلم أن الله تعالى يغضب ويرضى ؛ لأنه من لا يغضب ولا يرضى « 1 » لا يكون آمرا ولا ناهيا ، لا كأحد من الورى ، معناه أن يصير العبد مستحقا لرحمته أو عذابه لا أنه يحدث في ذات الباري تغيرا ، وليس غضبه ورضاه كغضب العبد ورضاه ؛ لأنهما إذا دخلا في العبد غيرا عليه الحال ؛ لأن غضب العبد ورضاه من صفاته وهو بجميع صفاته مخلوق ، والمخلوق لا يخلو من تغير الحال وتبدل الأحوال « 2 » . وأما غضب الله تعالى ورضاه لا غير عن حاله ؛ لأنهما من صفاته لا هو ولا غيره كما بينا وهو بجميع صفاته غير مخلوق . ومن قال : غضب الله النار ورضاه الجنة سفسط وتزندق وابتدع « 3 » ؛ لأن الجنة والنار مخلوقتان ، فالمخلوق لا يكون [ 42 ] صفة الخالق ، إلا أن العقوبة بغضبه وثوابه كان

--> ( 1 ) قوله : « لأنه من لا يغضب ولا يرضى لا يكون آمرا ولا ناهيا » . معناه أن يصير العبد مستحقا رحمته أو عذابه كلها تأويلات كلامية على غير طريقة أهل السنة والجماعة فهم يثبتون الغضب والرضى بأسبابهما المستحقة لهما . وهي أسباب دلت القرائن المذكورة بنفس الدليل عليها أو المتراخى عنها أما تأويله الغضب والرضى بمعنى استحقاق العبد لرحمته أو عذابه ، فيه مخالفة أيضا لأهل السنة والجماعة ؛ لأنهم يثبتون هاتين الصفتين وغيرهما من غير تأويل ولا تحريف وهم يجرون الصفات على ظاهرها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل وهو ما اشتهر عنهم وحكته مؤلفاتهم ، والله أعلم . ( 2 ) اعلم أنه لا يلزم من اتحاد اسم الخالق والمخلوق التماثل فإن الله سمى نفسه ببعض أسماء سمى بها خلقه . ووصف نفسه بصفات وصف بها بعض خلقه فلا يلزم من ذلك التشبيه قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ انظر العقيدة الواسطية وشروحها . ( 3 ) هذا صحيح ولكنها من غرائب المؤلف ؛ فهو يجمع بين الرأي وضده ، والدليل أنه قال بمقالة من وصفهم بالسفسطة ، والزندقة ، والبدعة . فقال قبل أسطر أن معنى الغضب والرضى هو استحقاق العبد لرحمته وعذابه ، وقد علقنا على هذه العبارة التي قال بها ثم أنكرها على غيره بعد سطور قليلة فراجع وتأمل .