أحمد بن علي الرازي

84

شرح بدء الأمالي

وقال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [ الروم : 40 ] . وكل ما سوى الله فهو مخلوق الله ؛ النور والظلمة والسماوات وما فيها من الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والسحاب والبرق ، والرعد ، والأمطار ، والأرضون وما عليها من الجبال ، والبحار ، والأشجار ، وأنواع النبات ، وأصناف [ 40 ] الحيوانات الضار منها والنافع ، لم يكن شيء من قبل كونه إلا بتكوين الله أصلا ومادة ، بل كون ذلك كله بلا أصل ومادة . وكذلك الجنة والنار ، والعرش والكرسي ، واللوح والقلم ، والملائكة والجن ، والإنس والشياطين لم يكن شيء من ذلك كله فكانوا بتكوين الله تعالى ؛ لأنهم كانوا محدثين عاجزين ، وكذا صفات هذه الأشياء من الحركة والسكون ، والاجتماع والافتراق ، والألوان والطعوم والروائح ، والعلم والجهل ، والقدرة والعجز ، والصمم والسمع ، والبصر والعمى ، والنطق والبكم ، والصحة والمرض ، والحياة والموت ، والفرح والسرور ، والغضب والرضا ، والتبسم والضحك ، والغم والهم والحزن ، وأفعال العباد وأكسابهم . ومن قال : إن أفعال العباد وأكسابهم غير مخلوقه فهو معتزلي ملعون « 1 » .

--> ( 1 ) قوله : « معتزلي ملعون » فيه نظر ؛ لأن المسميات وضعها الشارع الحكيم على فاعليها فهي متعلقة بها لا يجب نسبتها لغير متعلقاتها ، ولا تتعلق تلك المسميات بفاعليها مطلقا إلا إذا كانوا أنواعا ، وتتعلق بالأعيان بشروط وانتفاء موانع ، وهذا كثير جدا في الكتاب والسنة فقد سمى الله على سبيل المثال الفاعلين بما فعلوا ، فقال على مستحقي الكفر : كافرين وقال على مستحقي الإيمان : « مؤمنين » ، ومستحقي اللعن بالملعونين كشارب الخمر ، والواشمة والواصلة ، وفاعلى النفاق بالمنافقين ، أما الأعيان فقد سمى الله أبا لهب بأبى لهب فيحرم إطلاقه على غيره ، وسمى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عمرو بن هشام بأبى جهل فلا يطلق على غيره ، وهكذا فلا يصح أن يطلق لفظ ملعون إلا على فعل استحق من الشارع الحكيم لعن صاحبه . قال ابن تيمية : استفتى أبو القاسم ابن عساكر على من خالف الأشعرية واعتقد تبديعهم في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعرية وتكفيرهم ما الّذي يجب عليهم في هذا القول ؟ الجواب وبالله التوفيق أن كل من أقدم على لعن فرقة من المسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وارتكب ما لا يجوز الإقدام عليه وعلى الناظر في الأمور أعز الله أنصار الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع هو وأمثاله عن ارتكاب مثله ، قال ابن تيمية : هذه الفتيا كتبت هي وجوابها في فتنة ابن القشيري لما قدم بغداد فإن ملك بغداد محمود بن سبكتكين كان قد أمر في مملكته بلعن أهل البدع على المنابر فلعنوا وذكر فيهم الأشعرية وكذلك جرى في أول مملكة السلاجقة الترك وكان الذين سعوا في إدخالهم في اللعنة فيهم من سكان تلك البلاد من الحنفية الكرامية وغيرهم ومن أهل الحديث -