أحمد بن علي الرازي

69

شرح بدء الأمالي

لقام به البقاء فيؤدى إلى قيام العرض بالعرض « 1 » وإنه محال . والثاني : أن القدرة لو كانت باقية إلى وقت وجود الفعل لما تصور زوالها وفناؤها ؛ لأنها لو كانت باقية لكانت باقية باعتبار ذاتها لا بمعنى آخر ؛ لأن ذاتها يوجب بقاءها ، فثبت أنها تحدث عند مقارنة الفعل بخلق الله تعالى . قالت القدرية ، والمعتزلة ، والكرامية : استطاعة الفعل سابقة على الفعل ، يعنى قبل الفعل وهي موجودة في العبد استعملها كيف يشاء . وقال بعضهم : الاستطاعة ليست إلا واحدة وهي سلامة الآلات وصحة [ 26 ] الأسباب . فقلنا : هذا يوجب استغناء العبد عن ربه حيث يختار لنفسه ما شاء والاستغناء عن الله تعالى كفر ؛ لأنه لو كان قبله يكون العبد مستغن عن ربه ، فلله الاستغناء ، قال الله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] . وقالت الجبرية : بعده . فقلنا : لو كان بعده لاستحال حصول الفعل به لاستطاعته فالعبد أعطى قوة العمل وكلف بذلك حتى يلزم الحجة ، ولم يعط قوة التوفيق ؛ لأن التوفيق صفة الرب تعالى . وأما استطاعة الحال : وهي التي من جهة الصحة والتمكن وسلامة الأسباب والآلات يعنى الأعضاء السليمة والأسباب الصالحة فهي تتقدم قبل الفعل « 2 » ، وهي المراد من قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] . وقوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [ المجادلة : 4 ] . وقوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] وصحة التكليف يعتمد على هذه الاستطاعة ،

--> ( 1 ) لأن الأعراض لا تقوم بنفسها بل تقوم بغيرها لذا استحال المؤلف قيامها ببعضها ، لأنها لا تقوم إلا فيما يقوم بنفسه وهي الأجسام ، وسيأتي معنى العرض والجسم والجوهر بشيء من التفصيل في موضعه إن شاء الله . ( 2 ) مذهب المؤلف هو مذهب كثير من علماء أهل السنة . انظر : الملل والنحل لابن حزم 3 / 21 ، واعلم أنه إذا وجدت تلك الاستطاعة بصاحبها صار محجوجا بها لوجود شروط الفعل وانتفاء موانعه والله أعلم .