أحمد بن علي الرازي

65

شرح بدء الأمالي

ألفاظ الكفر وهو يظنه صادقا فأجابه « 1 » ، فهرب الشيطان وهو مات كافر بسبب أعماله الخبائث ، ويندم بعد موته ويقول : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [ الفرقان : 28 ] ولا ينفعه الندامة فهذا هو الحسرة أشد الحسرة ، وتلقين الشيطان للمؤمن بالكفر ليس بكاذب بالنص قوله تعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ [ الحشر : 16 ] . وينبغي للمؤمن أن يستعيذ بالله من الشيطان ، ويطلب من الله العصمة والغفران ، ويتوب من العصيان ، ويخاف من النيران فإذا آمن العبد بالاستثناء وعرف خوف الخاتمة ، فوجب عليه أن يقر ويصدق بأن الإيمان والطاعة بتوفيق الله تعالى وفضله وعطائه ، يعطى من يشاء بفضله ، ويمنع من يشاء بعدله ؛ لقوله تعالى : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 21 ] وقوله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ فاطر : 8 ] . ويعلم أن الكفر والعصيان خذلان من الله ، والخذلان ترك التبصرة عند الحاجة ، ولا يجوز لأحد أن يقول : لا أؤمن ما لم يعط الله الإيمان ، وليس لي فيه فعل ولا حركة « 2 »

--> - ربك » والله أعلم . ( 1 ) يقال : إن الميت إذا حضرته الوفاة وعالج سكرات الموت جاءه الشيطان عن يمينه فيتصور له في صورة أحب الناس إليه ويقول له : افعل كذا وكذا ليخرجه من دائرة الإيمان ثم يأتيه عن شماله فيقول له كذلك فإذا كان العبد صالحا وأراد الله له بخاتمة السعادة لم يجبه ، ، وإذا كان غير ذلك وأراد الله له بخاتمة السوء أجابه . ويقال : إن هذه الواقعة وقعت لبعض العلماء منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه وقد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء : ( 11 / 341 ) : وفي جزء محمد بن عبد الله بن علم الدين : سمعناه قال : سمعت عبد الله ابن الإمام أحمد يقول : لما حضرت أبى الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه ، فجعل يغرق ثم يفيق ، ثم يفتح عينيه ويقول بيده هكذا : لا بعد لا بعد ، ثلاث مرات ، فلما كان في الثالثة قلت : يا أبه أي شيء هذا الّذي لهجت به في هذا الوقت ؟ فقال : يا بنى ، ما تدرى ؟ قلت : لا ، قال : إبليس لعنه الله قائم بحذائى ، وهو عاض على أنامله يقول : يا أحمد فتنى ، وأنا أقول : لا بعد حتى أموت . وقال : فهذه حكاية غريبة تفرد بها ابن علم ، فالله أعلم . ( 2 ) ثبت بالكتاب والسنة أن الله أعطى لعباده فعلا ومشيئة لاختيار الأفعال ، لا تخرج عن مشيئة الله قال الله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، وقال : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . -