أحمد بن علي الرازي
4
شرح بدء الأمالي
وعلى هدى نبي الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وكتب عز وجل الشقاء والذلة على من حاد عن هذه الشريعة ، وتنكب الصراط المستقيم . وعلم التوحيد هو الّذي يستبين من بين كلماته بل وحروفه المصدقين لما جاء به الكتاب والسنة ، من المكذبين إخوان الشياطين من المجسمة ، والمعطلة والمتأولة للأسماء والصفات الذين أصلوا أصولا ظنوها حقا فدفعوا بها آيات قرآنية ، وأحاديث صحيحة نبوية ، واعتلوا في ذلك الدفع بشبه واهية ، وخيالات مختلة وهؤلاء طائفتان : الأولى « 1 » : هي الطائفة التي غلت في التنزيه ، فوصلت إلى حد يقشعر منه الجلد ، ويضطرب له القلب ، من تعطيل الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ثبوتا أوضح من شمس النهار ، وأظهر من فلق الصباح ، وظنوا أن صنيعهم هذا موافقا للحق ، مطابقا لما يريده الله سبحانه ، فضلوا عن الطريق المستقيم ، وأضلوا من رام سلوكها . والأخرى : هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها ، ولا اعتبار بما سواها ، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض ، والقسر الخالص ، فلم يبق لبعث الرسل ، وإنزال الكتب كثير فائدة ، ولا يعود ذلك على عباده بعائدة ، وجاءوا بتأويلات للآيات البينات ، ومحاولات لحجج الله الواضحات فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال ، مع أن كلا المقصدين صحيح ، ووجه كل منهما صبيح ، لولا ما شانه من الغلو القبيح . وطائفة توسطت ورامت الجمع بين الضب والنون ، وظنت أنها وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط ، وأغلب ظني أن المصنف من هذه الطائفة الثالثة ، فإنه وإن كان من الأحناف يحكى عقيدتهم وهي عقيدة أهل السنة والجماعة إلا أنه خلط بينها وبين علم الكلام المذموم ، فتوسط الاعتقاد في كثير من المسائل ، مثل مسألة الإيمان ؛ فهي عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص ، وعند المعتزلة منزلة بين المنزلتين ، فتوسط المصنف ونفى المنزلة بين المنزلتين ، وكذلك نفى كون الإيمان يزيد وينقص ، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله .
--> ( 1 ) انظر « الرسائل السلفية » للشوكاني ( ص 56 ) .