أحمد بن علي الرازي

348

شرح بدء الأمالي

تعالى وقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 79 ] . وكذلك الكفار عرفوا الله تعالى بعقولهم قبل ورود الشرع كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 86 - 89 ] . نظائرها كثيرة ، فلو لا أن معرفته ممكنة بالعقل لما عرفوه قبل ورود الشرع ، وأما العقل فهو : أن الأشياء تعرف بدلائلها وآثارها ، فالعبد إذا نظر في المصنوعات والمخلوقات يستدل بها على أن لها صانعا يدبرها ، وفاعلا يحكمها ويقدرها كما قال القائل : ففي كل شيء [ 258 ] له آية * تدل على أنه الواحد وأما الوجوب ؛ فتقول : إذا ثبت أن معرفته ممكنة بالعقل وجب على العبد أن يعرف خالقه وصانعه ورازقه ومنعمه لما ذكرنا أن شكر نعمة المنعم واجب عقلا ، ولكن العقل دليل على معنى أن خالق الوجوب هو الله تعالى ، كالسمع سواء ولو قدر أن الله تعالى لم يبعث نبيّا ولم يأمر عباده أن يعرفوه لكان ذلك واجبا عليهم . وبهذا قال أبو حنيفة ، رحمه الله تعالى : لو أن الله تعالى أخلا العقل عن الرسل لكان الإيمان واجبا عليهم والكفر به حراما ، ولم يكونوا معذورين في الجهل به ، لما يرون من الدلائل والآيات وعجائب خلق الأرض والسماوات وبدائع فطرة الحيوان والنبات والأشجار والزروع والثمار والجبال والسهول والبراري والآكام والعيون والبحار والأنهار العظام إلى غير ذلك من العرش إلى الثرى ، وصل الخطاب بذلك أو لم يصل ، ولحسنت معرفته في العقل ، وقبح الجهل به ، وما حسن في العقل حسن في الحكمة الإلهية . وقال أبو الحسن الأشعري ، والفلاسفة [ 259 ] ، والمعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء : إن معرفة الله تعالى ، غير واجبة بالعقل بل واجبة بالسمع حتى أن الله تعالى ، لو لم يبعث نبيّا لم يجب على أحد معرفة الله تعالى ، ولم يحسن ذلك في العقل ، ولم يقبح الجهل به ، والكفر والشرك وعبادة الصنم لم يكن حراما .