أحمد بن علي الرازي

345

شرح بدء الأمالي

فهو حادث ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها فيه لا ينقض حاله بجملتها لا ينتهى النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال . وإنّ [ 253 ] الحركة والسكون يعتبران أجزاء العالم أنه يستحيل خلو الأجسام عنهما إذا لا يتصور وجود جسم في مكان غير متحرك ولا ساكن ، وكذا يستحيل وجود الحركة والسكون بغير جسم ؛ لكونهما عرضا والعرض لا قيام له بذاته ، بل قيامه بالجواهر والأجسام ، وإذا استحال خلو الأجسام عنهما استحال سبق الأجسام ، إنّ في السبق خلو الأجسام عنهما ، وما لا يسبق الحادث فهو حادث ضرورة دلالة أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث أن الشيئين إذا لم يتقدم أحدهما صاحبه في الوجود وأحدهما حادث ، فيكون الآخر حادثا ضرورة بمشاركة حادث حال وجوده ، وهذه العلوم ضرورة ، ولا يقال : بأن الجوهر إذا كان ساكنا ، ثم تحرك من مكانه قد انعدم المعنى الّذي كان به الجوهر ساكنا ، بل ذلك المعنى قائم فيه فظهور ذلك شرط لحصول السكون فيه . قلنا : هذا لوجوب ذلك المعنى أو غيره ، إن قالوا : عينه فلا يوجب اختصاص الجوهر بحركة ؛ لأن الموجب للسكون وجود ذلك المعنى لما يرجع إلى ذاته كما دام ذلك المعنى قائما فيه كان الجوهر ساكنا فلا يتصور الحركة ، وإن قالوا : غيره فقد انعدم ذلك المعنى وزال . فقد أقروا [ 254 ] بعدم الإعراض فأهل الأهواء خالف في هذه المسألة ، بعضهم قائلون : بقدم العالم على ما عليه من الهيئة والتركيب ، وأن الفلك لم يزل بشمسه وقمره . وبعضهم قائلون بقدم العناصر والهيولى وهي مادة العالم عندهم ، وهذه المركبات تحدث عنها ؛ لأنه لا نطفة إلا من إنسان ولا إنسان إلا من نطفة ، ولا بيضة إلا من دجاجة ولا دجاجة إلا من بيضة ، لما غير ذلك . ونحن نقول بحدوث العالم ، وقد ذكرنا الدلائل على بطلان ما قالوا ، فإذا ثبت أن العالم محدث لا بدّ من محدث أحدثه وصانع أوجده دلالته بالسمع والعقل ، فالسمع الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] .