أحمد بن علي الرازي
327
شرح بدء الأمالي
46 - باب لا يخلد موحد في النار وذو الإيمان لا يبقى مقيما * بسوء الذّنب في دار اشتغال واعلم أن المؤمن بارتكاب الكبائر لا يخلد في النار ، ومعنى الاشتغال لهب الجحيم ودركاتها ، وأهل الكبائر كلهم مؤمنون فليسوا بكافرين ، فإذا ماتوا وهم موحّدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله تعالى عارفين [ 232 ] فهم محسنون نرجو لهم الجنّة ، ولا نشهد لهم بالجنة إلّا من شهد لهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، والمحسنون إذا فعلوا الحسنات قد طهروا من الذنوب لقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] . فإن الناس يموتون على خمسة أوجه : بعضهم مات كافرا ومنافقا في النيران يبقون فيها خالدين « 1 » أبدا بالجوع والعطش مقرنين مع الشياطين مع لباس القطران في ضيق المكان مقطوع الأثر من طلب الغفران ، وبعضهم ماتوا مؤمنين بلا ذنب ، وتائبا من كل عيب فهم في الجنة بلا عذاب يخلّدون فيها أبدا لجزاء الثواب ، وبعضهم ماتوا مع الذنوب بكل عيب بلا توبة فهم في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والعبادات ، كالصلاة والصيام وشفاعة الرسل والأنبياء عليهم السلام ، أو بشفاعة واحد من أهل الإسلام أو باستغفار الملائكة الكرام ، وإن شاء عذبهم في النار على قدر ذنوبهم بعدله فإن رحمهم بفضله رحمهم ، وإن عاقبهم بعدله عاقبهم لا يخلّدهم فيها ، ثم يخرجهم منها بعد ما صاروا فحما واحترقوا وأوجعوا فيها وتفرقوا فخرجوا منها برحمته أو بشفاعة الشافعين من أهل طاعته ، ثم يبعثهم إلى جنته [ 233 ] بمعرفته ، والدليل عليه قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [ مريم : 71 ] . قيل : الورود الدخول « 2 » ، ثم أخبر بخروجه وقال : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ، أي : فخرج الذين اتقوا الشرك ، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها [ مريم : 72 ] ، أي : نترك
--> ( 1 ) [ خالدين ] هذا هو الصواب ، وفي الأصل [ خالدا ] . ( 2 ) قوله [ قيل : الورود الدخول ] يعنى في حق العصاة الداخلون النار من أهل القبلة ، أما من يدخلوا الجنة ابتداء ، فالورود في حقهم هو المرور والمجاوزة . والله أعلم .