أحمد بن علي الرازي
325
شرح بدء الأمالي
وصاحبها مع فسقه مؤمن لا يخرجه فسقه عن الإيمان ولا يدخل في الكفر ولا له منزلة بين الكفر والإيمان ولا بين الجنة والنيران ولا نشهد عليه بالكفر ولا بالشرك ولا بالنفاق ما لم يظهر منه شيء من ذلك ونذر سرائره إلى الله تعالى ، ونرجو للمحسنين من أن يغفر الله لهم وفي الجنة يدخلهم ، ولا نأمن عليهم وندعو لهم ونستغفر لمسيئهم ، ولا تقنطهم فالقنوط والإياس ينقلان عن الملة ، ويخرجان عن نهج الأمة وسبيل الحق بينهما ولا نخرج المؤمن [ 229 ] المصدق من الإيمان إلّا بجحود ما أدخله فيه ، ولو ارتكب الصغيرة والكبيرة غير مستحل بمن نهى عنها بل باعتقاد الحرمة وخوف العقوبة ورجاء العفو والمغفرة فهذا سمة المؤمن ، ويكون بما معه مع الإيمان ولا يزول عنه التصديق ، ولا يسلب عنه اسم الإيمان ، ولا يصير بها مكذبا ، ولا جاحدا ، ولا مبطلا ، ولا كافرا ، ولا منافقا ؛ لأن ثبوت هذه الأسامى إنما يكون بزوال التصديق ، والتصديق باق لكنه صار خارجا عن بعض لوازم الشرع ونواهيه ، فكان فاسقا مع بقائه مؤمنا بتلك الكبائر ، ولا يجوز أن يسمى المؤمن فاسقا على الإطلاق ؛ لأنه مطيع من وجوه كثيرة ، وإن كان عمله عمل الفاسق ولا يسمى الدين ، فكان ما أتى به من الطاعات مطيعا وبما أتى به من المعاصي عاصيا ، ولو خرج من الدنيا من غير توبة ، وقد ختم له على الإيمان ، فلا يجوز أن يقال : إن الله يعاقب لا محالة ، ولا يقال : يعفو لا محالة ، فهو في مشيئة الله تعالى فعاقبته الجنة لا محالة ، والدليل على أنه مؤمن قوله تعالى : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ الحجرات : 6 ] . أمر بالتثبيت في نبأ الفاسق ، فلو صار كافرا لنهى عن قبول شهادته ، وقوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 31 ] . وقوله : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ 230 ] [ الحجرات : 9 ] . إلى قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [ الحجرات : 10 ] . فسماه مؤمنا مع وجود الكبيرة منه ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 178 ] . ومع هذا سماه مؤمنا وبقاء الأخ للثابت بينه وبين أولياء القتل وبقائه أهلا للرحمة