أحمد بن علي الرازي
303
شرح بدء الأمالي
روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان أهل السماوات والأرض كان أثقل وأرجح من إيمان جميع الخلائق » « 1 » . يعنى من جهة النور والضياء لا من جهة الزيادة والنقصان ، فإن قيل : كيف عرفت الله تعالى ؟ فقل : بلا كيف ولا كيفية عرفته بتعريفه ، فقد عرّفنى حتى عرفته يعنى ما عرفته بعقلي ، بل عرفته بتعريفه . وقالت المعتزلة : فالله يعرف بالعقل ، عن هذا قالت : الإيمان بالتقليد [ 212 ] لا يجوز ولا يصح . وقالوا بكفر العوام ؛ لأن الناس عندهم في العقل سواء . وقالت الأشعرية : يعرف الله لا بغيره ، وعن هذا قالوا : إن أحدا لا يعرف الله حق معرفته وإن كان نبيّا مرسلا ، أو ملكا مقربا ، وهو يعرف نفسه بنفسه حق معرفته وغيره من الملائكة والمؤمنون لا يعرفونه . قلنا : لا نتعجب منهم هذا القول ؛ لأنهم شكوا في إيمانهم ونرد عليهم بقوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] . فالله تعالى جمع بين شهادة نفسه ، وبين شهادة الملائكة أولى العلم فمن أوجب الشك في شهادة الرب ، وقال الله تعالى في شأن الكفر : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ الحج : 73 ] . وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] ، أي : ما عرفوا الله حق معرفته ، فقد أوقع التسوية بين المؤمن والكافر ، وكفى به قبحا وشينا . وأما مذهب أهل السنة والجماعة : فإن المؤمن يعرف الله حق معرفته بتعريفه ، فلو كانت المعرفة بتعريف الله وقعت موقع الحقيقة ، ولكنا لا نقدره حق عبادته ؛ لأن أحدا وإن عبد الله تعالى جميع عبادات أهل السماوات والأرض لو قوبلت تلك العبادات كلها بنظرة واحدة [ 213 ] في عينيه ما أقرتها .
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في « إتحاف السادة المتقين » ( 1 / 323 ، 7 / 572 ) ، والعراقي في « المغنى » ( 1 / 52 ) ، وابن عدي في « الكامل في الضعفاء » ( 4 / 1518 ) ، والسيوطي في « الدرر المنتثرة » ( 133 ) ، والفتني في « تذكرة الموضوعات » ( 93 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 234 ) والشوكاني في « الفوائد المجموعة » ( 335 ) . قلت : ولم يبلغ إيمان أبى بكر هذه المنزلة بالاستدلال والاستنباط بل بالتصديق المطلق ، رضي الله عنه .