أحمد بن علي الرازي
291
شرح بدء الأمالي
والولي وإن علت درجته وارتفعت منزلته من جملة الأولياء ولا يسقط عنه الأمر ، يعنى العبادات المفروضة في القرآن من الصلاة والزكاة والصّوم والحج وغيرها . ومن زعم أن من صار وليّا ووصل إلى الحقيقة « 1 » سقطت عنه الشريعة فهو ملحد ويعتقد بيان مذهب الإباحة ، فاحذروه فلم تسقط العبادة عن [ 202 ] الأنبياء ، فكيف تسقط عن الأولياء ؟ . ويقول : نبي واحد أفضل من جميع الأولياء ؛ ولأن العبادة وجوبها بحق العبودية أو بحق شكر النعمة ، والولي بالولاية لم يخرج عن حق العبودية ولا عن كونه منعما عليه . واعلم واستيقن أن من ادّعى الولاية ومحبة الله تعالى ، فيكون له أربع خصال : أولها : أن يعمل عمل الحبيب ولا ينقص شيئا من أمره حتى يصدق قوله وفعله . والثاني : لا يقصد إلى نهيه ولا يصدق كاهنا ولا عرّافا ولا نجاما ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من آمن بالنجوم فقد كفر ومن دبر بالنجوم فقد أدبر » . ولا نصدق الّذي يدعى شيئا بخلاف الكتاب والسنّة وإجماع الأمة . والثالث : لا يقول أنا حبيب الله وأحبه لأجله ، فلمّا وجدت بمحبته لا يضر في ترك طاعته . والرابع : يتبع سنن الرسول ، ولا يترك الجماعة ويراها حقّا وصوابا ، والفرقة زيغا وعذابا ؛ لأن من تركها ولا يحضر الصلاة نابذا أمر الله تعالى وراء ظهره ونابذا لسنن الرسول عن نفسه فكان فاسقا ، والفاسق لا يصلح للمحبة لقوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . وتارك الجماعة وغيرها من الطاعة مبتدع والمبتدع لا يكون حبيبا ، قال الله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ 203 ] [ فاطر : 10 ] . ولو رفع الأمر بالخلّة من أحد لرفع من إبراهيم عليه السلام ؛ إذا صلّى سمع وحيه فرسخا في فرسخ من الله تعالى ، أو لو رفع بالمحبة لرفع من محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ قد آمنه الله تعالى
--> ( 1 ) القول بالحقيقة والشريعة قول مخالف للإسلام وليس له أصل في ديننا ؛ لأننا نؤمن أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بلّغ كل ما أمره الله به بأمانة ، ونؤمن أنّ الدين قد تم قبل وفاته بأبى هو وأمي ، ونؤمن أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يختص أحدا بشيء اسمه الحقيقة ، وغيرهم بالشريعة ، بل الشريعة هي الحقيقة والحقيقة هي الشريعة التي بلّغها النبي صلّى اللّه عليه وسلم .