أحمد بن علي الرازي

288

شرح بدء الأمالي

وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 37 ] . ولم يكن عيسى في ذلك الوقت . وإن قال المبتدع : لو أن أحدا قد ذهب بليلة واحدة إلى بيت الله ورجع لا يمكن أبدا . فيقول : يمكن ويجوز ؛ لأن المؤمن خير من الكافر ، وقد وجدنا الكافر يسير في ساعة من الشرق إلى الغرب وهو إبليس عليه اللعنة ، وإن سار المؤمن بليلة واحدة إلى بيت الله أو وجد في موضع طعاما فليس بعجب . وكذا ظهرت عن كثير من صالحي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فنقول بعضها : إن عمر ، رضي الله عنه ، رقد على المنبر بمكة فرأى جيشه بنهاوند وقال : يا سارية الجبل الجبل ، فسمع سارية صوته وهو مشهور . وشرب السم خالد بن الوليد فلم يضرّه مع بعد المسافة « 1 » . ودعا أبو حنيفة فنزلت عليه مائدة « 2 » ، ولأن كرامتهم وإن كانت بخلاف العادة ففي قدرة الله تعالى ممكنة غير ممتنعة ، وليس فيها وجه من وجوه الاستحالة من حيث لا يعلم فوجب تجويزه ؛ لأن الله حكيم قدير وإرسال الرسالة لا ينافي حكمته فكذا إظهار الكرامة « 3 » على يد الولي ليس مما ينافي الحكمة ، وذلك يدل على حقية هذا الدّين ؛ ولأن

--> ( 1 ) قلت : « كانت وقعة نهاوند وهي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع ونبأ عجيب ، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح ، وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة وهي أصبهان بعد قتال كثير وأمور طويلة فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين . وقيل : إن الّذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل فيها ، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه والصحيح أن الّذي فتح أصبهان عبد الله ابن عبد الله بن عتبان الّذي كان نائب الكوفة ، افتتح أبو موسى قم وقاشان وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان » . ( 2 ) وقوله : « ودعا أبو حنيفة فنزلت عليه المائدة » لم يبين من أي مكان نزلت ، من السماء أم من بيته والله أعلم . ( 3 ) الكرامة : هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ، ولا هو مقدمة ، يظهر على يد عبد ظاهره الصلاح ، ملتزم المتابعة لنبي كلف بشريعته مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح علم بها أو لم يعلم ، ولا تدل على صدق من ظهرت على يديه ، ولا ولايته ولا فضله على غيره -