أحمد بن علي الرازي
244
شرح بدء الأمالي
خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة « 1 » وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش والمقربون والكروبيون والروحانيون وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة ، دليلنا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة : 7 ] « 2 » .
--> ( 1 ) قلت : وقد أثبت غير واحد من أهل السنة تفضيل الملائكة على الرسل ، قال ابن حزم في فضل الملائكة على الرسل : فلبراهين منها قول الله عز وجل آمرا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ فلو كان الرسول أرفع من الملك أو مثله لما أمر الله تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول الّذي إنما قاله منحطا عن الترفع بأن يظن أن عنده خزائن الله وأنه يعلم الغيب أو أنه ملك منزل لنفسه المقدسة في مرتبته التي هي دون هذه المراتب بلا شك إذ لا يمكن البتة أن يقول هذا عن مراتب هو أرفع منها . وأيضا فإن الله عز وجل ذكر محمدا الّذي هو أفضل الرسل بعد الملائكة ، وذكر جبريل عليهما السلام ، وكان التباين من الله عز وجل بينهما تباينا بعيدا ، قال الله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . فهذه صفة جبريل عليه السلام ، ثم ذكر محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فقال : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . ثم زاد تعالى بيانا رافعا لإشكال جمله فقال : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ فعظم الله تعالى من شأن الكرام الأنبياء والرسل بأن رأى جبريل عليه السلام ثم قال : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى فامتن الله تعالى كما ترى على محمد صلّى اللّه عليه وسلم بأن أراه جبريل مرتين . وإنما يتفاضل الناس كما قدمنا بوجهين فقط أحدهما الاختصاص المجرد ، وأعظم الاختصاص الرسالة والتعظيم فقد حصل ذلك للملائكة قال تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا . فهم كلهم رسل الله ثم اختصهم تعالى بأن ابتدأهم في الجنة وحوالي عرشه في المكان الّذي وعد رسله ومن اتبعهم بأن نهاية كرامتهم مصيرهم إليه ، وهو موضع خلق الملائكة ، ومحلهم بلا نهاية منذ خلقوا . وذكرهم عز وجل في غير موضع من كتابه فأثنى على جميعهم ووصفهم بأنهم لا يفترون ولا يسأمون ولا يعصون الله ، فنفى عنهم الزلل والفترة والسأم والسهو . وهذا أمر لم ينفه عز وجل عن الرسل صلوات الله عليهم بل السهو جائز عليهم وبالضرورة ، ونعلم من عصم من السهو أفضل ممن لم يعصم منه ، وأن من عصم من العمد كالأنبياء عليهم السلام أفضل ممن لم يعصم ممن سواهم » ا . ه . الفصل ( 5 / 14 ، 15 ) . ( 2 ) قلت : قال ابن حزم : وهذا مما لا حجة لهم فيه أصلا ؛ لأن هذه الصفة تعم كل مؤمن صالح من -