أحمد بن علي الرازي
232
شرح بدء الأمالي
ويدوما بإدامة الله إياهما « 1 » ، فقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق ، وخلق لهما أهلا فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه ، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه ، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما قد خلق له والخير والشر مقدران على العباد ، وهو يعرف عدد أهل الجنة والنار ، فمن كان من أهل الجنة يسر الله عليه عمل أهلها ، وكذا من كان من أهل النار نسأل الله تعالى الجنة ونعوذ به من النار ، فمن أراد أن يكون من أهل الجنة فليجتهد على عمل أهل الجنة ، وبايع الله تعالى كما قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] . ولا يعمل عمل أهل النار ويجتنب من الشحة ؛ لأن الشحيح لا يدخل الجنة ؛ بدليل قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 180 ] .
--> ( 1 ) قلت : لم يأت المصنف برد بليغ على قول المعتزلة لما احتجوا بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . قال الأذرعى : « وفق لذلك أئمة الإسلام أي في فهم هذه الآية فمن كلامهم : أن المراد « كل شيء » : مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ، وكذا العرش فإنه سقف الجنة والنصوص محكمة دالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار أيضا » ا . ه . قلت : ولفظ « كل » أقوى صيغ العموم فهو يدل على كثيرين غير محصورين ، ويستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد ، ويفيد الاستغراق والشمول ما لم يصرفه عن ذلك صارف . والّذي يصرف « كل » في هذه الآية عن الاستغراق والشمول أي عن عمومه الأدلة المعلومة بالضرورة من الكتاب والسنة منه قوله تعالى : إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ [ ص : 54 ] . وقوله تعالى : أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها [ الرعد : 35 ] . والأدلة من السنة كثيرة منها قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ينادى مناد : يا أهل الجنة أن لكم أن تصحوا فلا تسقموا ، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا » . وأما أبدية النار فمفهوم من قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ، وقوله : خالِدِينَ فِيها أَبَداً . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الله خلق للجنة أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » . رواه مسلم وأبو داود ، المداخل الأصولية ، شرح أصول العقيدة الإسلامية : ( ص 167 ) ، حادي الأرواح لابن القيم : ( ص 323 : 342 ) .