أحمد بن علي الرازي

23

شرح بدء الأمالي

في العلم فرع ، وفضل الأصل على الفرع [ 4 ] معلوم ، قال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] . ولا شك أن العبد أولا يلزمه الإسلام ؛ لقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] .

--> - واعلم أن بين العلم والفقه عموم وخصوص ؛ فالعلم له معنى أوسع وأشمل ، فكل فقه علم وليس كل علم فقها ، فالفقه الّذي معناه : معرفة الأحكام بمعنى ظنها شامل للمطابق وغير المطابق ، أما العلم فهو : معرفة المعلوم على ما هو به فلا يكون إلّا مطابقا . وقال بعض أهل الأصول وهو الصحيح : العلم هو مطلق الإدراك جازما أو لا ، مطابقا أو لا ، فإن حمل العلم على المعنى الأول ، فلا يكون إلا يقينا وهو إدراك جازم قطعي واعتقاد مطابق وتصديق ثابت ، وإن حمل على المعنى الثاني الّذي أشرنا بصحته ، فإن كان الإدراك جازما فهو على المعنى الأول : أي معرفة المعلوم على ما هو به فلا يكون إلّا مطابقا ، وإن لم يكن جازما فهو الظن إما مطابقة أو التزاما وهذا هو معنى الفقه ؛ لأن الإدراك هو اللحوق والوصول تصديقا أو تصورا ؛ فإن تصوره على ما هو عليه في الواقع فقد أدركه التزاما . أما إن طابقت الصورة الواقع تصديقا فقد أدركه مطابقة ، وأما إن تصوره على خلاف ما هو عليه في الواقع فما أدركه لا مطابقة ولا التزاما . ومعنى ذلك أن فقه الشرائع يعلم يقينا أو ظنا ، وقد تقرر أن معرفة الأحكام بمعنى ظنها يؤجر صاحبها أدرك أو لم يدرك ، لأنه غلب على ظنه الإدراك مع استفراغ الوسع بالنظر في الأدلة إبراء للذمة ، فمن أصاب فله أجرين ومن أخطأ فله أجر . أما علم التوحيد : فلا يدخل في الفقه والاجتهاد ؛ لأنه لا يحصل بمجرد الظن ، ولا يكون إلا إدراكا جازما ، واعتقادا مطابقا وتصديقا ثابتا ؛ لأنه معرفة المعلوم على ما هو به فهو علم لا يغنى فيه إلا اليقين ولا تبرأ الذمة إلا به ؛ لأنه عملة ذو وجه واحد ، فالإيمان مثلا عملة واحدة ، والكفر عملة أخرى ، فهما ضدين لا وجهين لعملة واحدة ، بعكس الصحة والفساد في مسائل فقه الشرائع فكلاهما وجهين لعملة واحدة ، وقيل يحصل بالظن . لذا قال الإمام أبو حنيفة : الفقه في الدين - يعنى التوحيد - أفضل من الفقه في العلم ، يعنى علم الشرائع . وإن اختلفت الألفاظ بين ما ذكره المؤلف عن الإمام ، وما تقرر في علم أصول الفقه ؛ فالاختلاف لفظي لا حقيقي ، فالمقصود واحد والله أعلم ، انظر « المداخل الأصولية للاستنباط من السنة النبوية » .