أحمد بن علي الرازي
212
شرح بدء الأمالي
العقليات ، وسبيل القطع ولا يبيح الاستدلال بالظاهرة المحتملة للتأويل « 1 » ، ومتى قامت الدلالة العقلية لنفى الجهة والمكان ، فلا بد لهذه الآيات من تأويل ؛ صيانة للدلائل عن التناقض ، فبيّنا تأويله ومراده لكي لا يقع أحد في تفسيره بالرأي . وأما الاستواء يرد تفسيره في الظاهر ما ذا وفي الباطن ما ذا . * * *
--> ( 1 ) بينا من قبل الفرق بين التفسير والتأويل وقلنا بجواز تفسير آيات الصفات ، والمنع من تأويلها على ما بينا من معنى التفسير والتأويل والمؤلف هنا يخالف طريقة السلف ، وما عليه أهل السنة والجماعة فينفى الاستدلال بظاهر الآيات والأخبار ، ولا يجريها على ظاهرها فلا يثبت لله ما أثبت لنفسه ولا ينفى عن الله ما نفاه عن نفسه ، بل يفتح لنفسه باب الاستدلال والبحث والنظر في الجاهليات التي يسمونها عقليات . فيصرف الآيات والأخبار عن المعنى الظاهر منها ، الّذي أراده الله ورسوله إلى معنى غير ظاهر منه محتمل بل وغير محتمل أيضا بل إن كل الاحتمالات العقلية لا تليق بجلال الله وعظمته ؛ لأنه ليس كمثله شيء ، وسبق أن قلنا إن هذه الطريقة هي التي تسمى بالتأويل ، وهي ممتنعة عند أهل السنة والجماعة في الأصول دون الفروع ، وسبق أيضا أن قلنا إن آيات الصفات والأسماء غير محتملة للتأويل لأنها من قبيل المحكم لأن معانيها واضحة في لغة العرب ، أما الكنه والكيف مما استأثر الله بعلمه فهو من قبيل المتشابه وحكمه التوقف وعدم التأويل وتفويض علمه إلى الله تعالى ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . وسيأتي في غير هذا الموضع لعدم الإطالة كلام عن التأويل وشروطه ولنا في التأويل كتاب اسمه « معايير التأويل والمتأولين ، للعامة والمقصرين والمجتهدين » ، ط . دار الكتب العلمية . وضحنا فيها معنى التأويل ما يصح منه وما لا يصح وحكمه وبعض الأمثلة التي تترتب على التأويل الباطل كالإلحاد ، والردة ، وغير ذلك ، والله الموفق .