أحمد بن علي الرازي
210
شرح بدء الأمالي
وقيل : الاستيلاء دون الاستقرار والتمكن ، دلالته أنه لو كان المراد من الاستواء الاستقرار والتمكن للزم كون التمكن جسما ، فساوى المكان أو أكبر أو أصغر منه ، وذلك [ 128 ] مستحيل على البارئ جلّ جلاله تعالى عن التمكن والاستقرار ، وأن يحل العرش والكرسي ، بل العرش وحملته محمولون بإظهار إرادته ، مقهورون في قبضة قدرته ، وكل شيء مقدور العرش ، والعرش مقدور الرب « 1 » ، وهذا كما يقال : فلان استوى على سريره ، يعنى بذلك استولى أمور الولاية وانقطاع المنازعة في الإمارة عنه ، وقيل : معنى استوى استواء خلقه على عرشه كما قال : « إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » « 2 » أي استغنى عن فعل التخليق على عرشه ، ومعنى قوله : عَلَى الْعَرْشِ . أي استغنى عن فعل التخليق على عرشه ، ومعنى قوله : على العرش ، وفوق العرش ، وفوق كل شيء عظمته . وقوله : ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) [ الأنعام : 18 ، 61 ] . قهرا على عظمته ، وربوبيّته ، وقربته لا علو ارتفاع مكان ومسافة ، فالفوق والتعلّى من حيث القهر والغلبة لا الكيف والكيفية ، فوقيته لا يريد قربا إلى العرش والسماء وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد ، قربة لا تماثل قرب الأجسام ، كما لا يقابل ذات الأجسام ، قربة كرامة وبعدة إهانة ، علوّه من غير ترقّ ، ومجيئه من غير تنقّل ، وروى في الحديث : أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأمة سوداء قال [ 129 ] : وجبت عليّ عتق رقبة أفتجوز هذه ؟ قال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أمؤمنة أنت ؟ » ، فقالت : نعم ، قال : « أتعرفين الله ؟ » فأشارت إلى السماء ، فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » « 3 » .
--> ( 1 ) هذه العبارة شاذة لا نعلم أهي وقعت خطأ بالمخطوط من النساخ أم لا . والمؤلف مهما بلغ به الكلام والتأويل لا يمكن أن يقول مثل هذه العبارة ، ولعله تحريف أو تصحيف أصاب المخطوط وجرى النسخ على ذلك والعبارة تصح بهذا السياق : « وكل شيء والعرش مقدور الرب » . والله أعلم . ( 2 ) من الآية ( 54 ) سورة الأعراف . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 5 / 447 ، 448 ) من طريق : إسماعيل بن إبراهيم ، حدثني الحجاج بن أبي عثمان ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمى ، فذكره . وأخرجه أبو داود في السنن في « كتاب الصلاة » ، باب تشميت العاطس في الصلاة برقم ( 930 ) من طريق : مسدد ، حدثنا يحيى ( ح ) وحدثنا -