أحمد بن علي الرازي

201

شرح بدء الأمالي

وإرادة الفوق نفوذ أمره فوق كل شيء « 1 » خلق العرش بإرادته ليس لاحتياجه . فلو كان محتاجا إليه لجهته لما قدر على إيجاده وحفظه وتدبير العالم مثل : المخلوقين . والعرش ليس له مكان وقرار ، فمن قال : إنّ العرش له مكان وقرار فهو كذب وافترى « 2 » ، فلو كان له إليه فقبله أين كان تعالى الله عز وجل علوا كبيرا ، والله تعالى ليس على مكان ، ولا في مكان « 3 » ، ولا في الجهات ولا في الزمان ، بل كان ولامكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان ولا يحويه زمان ولا ينتابه زمان . ورفع الأيادى إلى السماء عند الدعاء تعبّدا له [ 123 ] محض ؛ لأن الله سبحانه وتعالى

--> ( 1 ) لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش لاستوائه عليه ، ليس لحاجته إليه ، بل له في ذلك حكمة اقتضته ، وكون العالي فوقا للسافل لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي ، محيطا به ، حاملا له ، ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه ، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل أن يلزم من علوه ذلك ، بل لوازم علوه من خصائصه وهي حمله بقدرته للسافل ، وإحاطته عز وجل به ، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته ، وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصر العرش له ، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق ، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ، ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل ، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك رحمه الله : الاستواء معلوم والكيف مجهول . انظر : ( شرح العقيدة الإسلامية 114 ) . ( 2 ) ربما لم يصل إلى علم المؤلف ما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة : « إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن تبارك وتعالى » . بل وقد ثبت أن له قوائم تحمله الملائكة وذلك بما روى في الصحيحين عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ؟ » . وثبت في كتاب الله عز وجل أن العرش له مكان قبل ذلك بقوله : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] . والله أعلم ( 3 ) قوله : وأن الله تعالى ليس على مكان قول باطل لأن الله على العرش استوى الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة . ولا نقول : ليس على مكان أو في مكان بل على العرش والله أعلم .