أحمد بن علي الرازي
195
شرح بدء الأمالي
قول الله تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] وما كانوا كذبة بلسانهم ؛ لأنهم قالوا إنه رسول الله بلسانهم ، والأمر كما قالوا : علمنا أنهم إنما كانوا كذبة بكلام قلوبهم وسمّاهم كذبة قلوبهم ؛ لأنه كان في قلوبهم خلاف ما في لسانهم . وأما ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الله تعالى عفا عن أمتي ما حدثت به
--> - قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ، فصح أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القرآن حقيقة ، وهو كلام الله تعالى حقيقة من خالف هذا فقد عاند القرآن ، ويسمى المفهوم من ذلك الصوت قرآنا ، وكلام الله على الحقيقة ، فإذا فسرنا الزكاة المذكورة في القرآن والصلاة والحج وغير ذلك ، قلنا : في كل هذا كلام الله ، وهو القرآن ، ونسمى المصحف كله قرآنا ، وكلام الله . وبرهاننا على ذلك قول الله عز وجل : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، وقول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض الحرب لئلا يناله العدو ، وقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وكتاب الله تعالى هو القرآن بإجماع الأمة ، فقد سمى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم المصحف قرآنا ، والقرآن كلام الله تعالى بإجماع الأمة ، والمصحف كلام الله تعالى ، برهاننا على ذلك قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ أمر بتعاهد القرآن ، وقال عليه السلام : « إنه أشد تقصيا من صدور الرجال من النعم من عقالها » . وقال الله تعالى : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم . فالذي في الصدور هو القرآن ، وهو كلام الله على الحقيقة لا مجازا ، ونقول كما قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « آية الكرسي أعظم آية في القرآن ، وأن أم القرآن فاتحة الكتاب ، لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل مثلها ، وأن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن » . وقال الله عز وجل : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ، فإن قالوا : إنه يتفاضل الأجر على قراءة ذلك . قلنا لهم : نعم ولا شك في ذلك ، ولا يكون التفاضل في شيء مما يكون فيه التفاضل إلا في الصفات التي هي أعراض في الموصوف بها ، وأما في الذوات فلا ، ونقول أيضا : إن القرآن هو كلام الله تعالى وهو علمه ، وليس شيئا غير الباري تعالى ، برهان ذلك قول الله عز وجل : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ، وقال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ . وباليقين يدرى كل ذي فهم أنه تعالى إنما عنى سابق علمه الّذي سلف بما ينفذه ويقضيه . ا . ه . الفصل في الملل والنحل لابن حزم ( 3 / 3 - 10 ) .