أحمد بن علي الرازي
190
شرح بدء الأمالي
بقديم ، وهذا هو الجواب عن قوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا [ فصلت : 44 ] . قلنا : القرآن بهذه العبارات الدالة على كلام الله تعالى ، وأنها محدثة والمنزل هو الحروف المنظومة أيضا وهو محدث لكن بهذه الآيات من الوجه الّذي بينا . وأما قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] . قلنا : قد بينا أن كلام الله معنى قائم بذاته ليس بمسموع « 1 » ، والمسموع هذه الحروف
--> ( 1 ) هذا قول باطل ، قال الأذرعى ردا على هذا القول وما يشبهه : هذه الآية تدل على فساد قول من قال : إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، ولم يقل : حتى سمع ما هو عبارة عن كلام الله ، والأصل : الحقيقة ، ومن قال : إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله ، أو حكاية كلام الله وليس فيها كلام الله ، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة ، وكفى بذلك ضلالا . وكلا الطحاوي يرد قول من قال : إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه وإن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه ، فإن الطحاوي رحمه الله يقول : « كلام الله منه بدا » وكذلك قال غيره من السلف ، ويقولون : « منه بدا ، وإليه يعود » وإنما قالوا : منه بدا ، لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون : إنه خلق الكلام في محل ، فبدا الكلام من ذلك المحل ، فقال السلف : منه بدا ، أي : هو المتكلم به ، فمنه بدا ، لا من بعض المخلوقات ، كما قال تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ [ الزمر : 1 ] ، وقال سبحانه : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [ السجدة : 13 ] . ومعنى قوله : « وإليه يعود » أي : يرفع من الصدور والمصاحف ، فلا يبقى في الصدر منه آية ولا في المصاحف ، كما جاء ذلك في عدة آثار . وقوله : « بلا كيفية » أي : لا يعرف تكلمه به قولا ليس بالمجاز ، وأنزله على رسوله وحيا ، أي : أنزل إليه على لسان الملك ، فسمعه الملك جبريل من الله ، وسمعه الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلم من الملك وقرأه على الناس . قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 193 ، 194 ، 195 ] . وقوله - أي الطحاوي : « وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية » ردّ على المعتزلة وغيرهم . وفي قوله : « بالحقيقة » رد على من قال إنه معنى واحد قائم بذات الله لم يسمع منه وإنما هو الكلام النفساني ، لأنه لا يقال لمن قام به الكلام ولم يتكلم به : إن هذا كلام حقيقة ، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلما ، ولزم أن لا يكون الّذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله ، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله . ا . ه . وللكلام في هذه المسألة -