أحمد بن علي الرازي

172

شرح بدء الأمالي

ولهذا قال مشايخنا : بأنّ القرآن مكتوب في مصاحفنا ، محفوظ في صدورنا ، مقروء بألسنتنا ، مسموع بآذاننا ، غير حال فيها من غير مزايلة عن الموصوف ، أي غير نازلة . وتفسيره ما بيننا : أنها دلالات على كلام الله تعالى ، معناه أن القراءة دالة عليه بألسنتنا ، والكتابة دالة عليه في مصاحفنا ، وحفظ الألفاظ دالة عليه في صدورنا . كما تقول : الله مذكور بألسنتنا ، معبود في محاربنا ، غير حال فيها ، معناه أن الذكر [ 98 ] دال عليه بألسنتنا ، والعبادة دالة على وجود وحدانيته في محاربنا . وكذا نقول : الله مكتوب على هذا الكاغد ، يريد به كتابة الحروف الدالة على ذاته المنزهة ، ولا نرى حلول ذاته في الكاغد ، وكذا القرآن . ولهذا أنّ من سأل عن هذا هل هو كلام الله تعالى ؟ لا يجاب على الإطلاق ، بل يقال له : معنى هذا إن عنيت القرآن الحروف المنظومة المكتوبة في المصاحف ، فليس هذا كلام الله وأنه حادث ، وإن عنيت به ما يصير مفهوما بذكر هذا فهو كلام الله تعالى . فكذلك ما في اللوح المحفوظ وما في الكتاب الّذي أنزله الله تعالى من آدم عليه السلام إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه ، دلالات كلامه ، وهو مائة وأربع كتب ، أنزل خمسين صحيفة على « شيث » عليه السلام ، وثلاثين على « إدريس » عليه السلام ، وعشرا على « موسى بن عمران » عليه السلام قبل التوراة ، ثم أنزل عليه التوراة ، وأنزل الزبور على « داود » عليه السلام ، والإنجيل على « عيسى » عليه السلام ، والقرآن العظيم على محمد صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » ، فمن شك بحرف أو بلفظة من جميعها على دلالتها كفر ، ولا شك في كفره .

--> ( 1 ) إشارة إلى قول : كم كتابا أنزل ؟ أخرجه ابن حبان في صحيحه موارد من كتاب الإيمان باب السؤال للفائدة ( 1 / 191 : 196 ) . من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال : دخلت المسجد فإذا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جالس وحده فقال : « يا أبا ذر إن للمسجد تحية . . الحديث » . بطوله وفيه قوله : قلت يا رسول الله كم كتاب أنزل ؟ فقال : « مائة كتاب ، وأربعة كتب : أنزل على شيث خمسون صحيفة . . الحديث بطوله . وأورده الزبيدي في الإتحاف ( 9 / 39 ) . وقال : روى عبد بن حميد وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر من حديث أبي ذر . . به . -