أحمد بن علي الرازي

163

شرح بدء الأمالي

إلى قول القائل : القائم بالذات ، فإذا كان هذا استغنى عن [ 92 ] الوصف الآخر لا يكون بهذا التحديد صحيحا ، فالجسم مشتق من الجسامة ، وهي الضخامة . ويقال : هذا جسيم من ذلك ، أي أعظم جثة منه ، وفلان جسيم ، أي عظيم الجثة . وعند المتكلمين : الجسم هو الأجزاء المتركبة واختلفوا في مقداره ، فعند أصحاب الحديث ومشايخنا المتأخرين : أدناه مركب من جزءين فصاعدا ، وعند المعتزلة والحساب : الجسم ما له طول وعرض وعمق ، وأدناه عن ستة أجزاء إن كان مثلثا ، وإن كان مربعا أدناه عن ثمانية أجزاء ، وبيانه : أن الجزء الواحد يسمى نقطة عندهم ، فإذا ضم إليه جزء آخر يسمى خطا ؛ لأنه صار طويلا ، والخط ما له طول فقط « 1 » ، فإذا كان جزءان آخران من جانب يسمى سمكا ، ويكون هذا مع الأول طولا وعرضا ، فإذا وضع عليه أربعة أجزاء أخر صار جسما ؛ لأنه حصل الطول والعرض والعمق ، والجسم اسم لذلك المطلق بالإجماع « 2 » ، إلا أن أصحابنا قد أبطلوا الحد الّذي قالت المعتزلة والحساب . والصحيح ما قلنا : أدناه من جزءين فصاعدا على ما بينا ؛ لأنه يقال للشخص إذا أسمن غيره أنّ هذا الجسم من ذلك ، ولو كان استحقاق اسم الجسم باعتبار الأشياء الثلاث وهو : الطول والعرض والعمق [ 93 ] ، ينبغي أن لا يترجح ، ولا يتحقق الترجيح إلّا بعدم وجود الزيادة في الأشياء الثلاث ، ومع هذا بوجود الزيادة في واحد منها ، وهو العرض ، جاز أن يقال : إن هذا جسم ، دلّ أن هذا الحدّ باطل ، والصحيح ما قلنا : إنّ الجسم للمتركب المؤلف وأدناه من جزءين فصاعدا على ما قلنا . وقال بعضهم : الجسم المؤلف ، وهذا ليس بصحيح ؛ لأن شرط صحة الحد أن يكون

--> ( 1 ) قال ابن حزم : من توهم أن الأجسام مركبة من السطوح ، وأن السطوح مركبة من الخطوط ، والخطوط مركبة من نقط . وهذا خطأ على كل حال ؛ لأن السطوح المطلقة فإنما هي تناهى الجسم وانقطاعه في تماديه من أوسع جهاته وعدم امتداده فقط ، وأما الخطوط المطلقة فإنما هي تناهى جهة السطح وانقطاع تماديها ، وأما النقط فهي تناهى جهات الجسم من أحد نهاياتها كطرف السكين ونحوه . فكل هذه الأبعاد إنما هي عدم التمادي ، من المحال أن يجتمع عدم فيقوم منه موجود ، وإنما السطوح المجسمة والخطوط المجسمة والنقط المجسمة ، فإنما هي أبعاض الجسم وأجزاؤه ، ولا تكون الأجزاء أجزاء إلا بعد القسمة فقط . ا . ه . الفصل ( 5 / 43 ، 44 ) . ( 2 ) قلت : دعوى الإجماع باطلة كما ترى من تعدد الأقوال ؛ لأن الإجماع لا ينعقد بوجود خلاف ، وهاهنا خلاف ، والله أعلم .