أحمد بن علي الرازي

102

شرح بدء الأمالي

6 - باب في الإيمان بالقضاء والقدر مريد الخير والشّرّ القبيح * ولكن ليس يرضى بالمحال « 1 » واعلم أن تقدير الخير والشر كلها من الله تعالى حق ، وهو خالق الخير والشر ومريدهما ، وفعل الخير والشر من العبد ، والعبد مختار في فعله اختيار تمييز ، وتحصيل الاختيار مشيئة وقدرة ، ليس يرضى بالمحال ، يعنى بالكفر والقبائح والمعاصي مريدا لها بمعنى أنه غير مضطر في إيجادها وإبداعها واختراعها ، بوجودها اختيارا لحكمة بليغة في تخليقها ، ولا يكون شيء بغير قضائه ، والعبد غير زائل من قضائه . والقضاء ليس بحجة لفعل العبد ، والله تعالى مريد « 2 » الكائنات ، ومدبر الحادثات ولا

--> ( 1 ) [ المحال ] : ما اقتضى الفساد من كل جهة كاجتماع الحركة والسكون في جسم واحد . ومن الأشياء : ما لا يمكن وجوده . ومن الكلام : ما عدل به عن وجهه . ا . ه . انظر : « المعجم الوسيط ( 1 / 210 ) ( 2 ) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية : إذا كانت الإرادة قد تقدمت فما منع جواز الاحتجاج بالقدر ؟ فأجاب رحمه الله قال : بعد الحمد والثناء على الله ، وإرادته قسمان : إرادة أمر وتشريع ، وإرادة قضاء وتقدير ، فالقسم الأول إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي سواء وقعت أو لم تقع كما في قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ . وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وأما القسم الثاني : وهو إرادة التقدير فهي شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات ، وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى الأول كما في قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ، وفي قوله : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ . وفي قول المسلمين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ونظائره كثيرة . وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث ، والسعيد من أراد منه تشريعا ما أراد به تقديرا ، والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا . والحكم يجرى على وفود هاتين الإرادتين ، فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ، ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر ، كان أعور مثل قريش الذين قالوا : -