التفتازاني
73
شرح المقاصد
الأنبياء ، حيث نالت أمتهم ذلك ببركة الاقتداء ، ومما هو قوي في منع الإخبار بالمغيبات قوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 1 » والجواب أنه لو سلم عموم الغيب يجوز أن يختص بحال القيمة بقرينة السياق ، إذ يكون القصد إلى سلب العموم ، أو يخص الاطلاع بما يكون بطريق الوحي ) . وصفاته : المواظب على الطاعات ، المجتنب عن المعاصي ، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات ، وكرامته ظهور أمر خارق للعادة من قبله ، غير مقارن لدعوى النبوة ، وبهذا يمتاز عن المعجزة ، وبمقارنة الاعتقاد ، والعمل الصالح ، والتزام متابعة النبي عن الاستدراج ، وعن مؤكدات تكذيب الكذابين ، كما روي أن مسيلمة ، دعا لأعور أن تصير عينه العوراء صحيحة ، فصارت عينه الصحيحة عوراء . ويسمى هذا إهانة . وقد تظهر الخوارق من قبل عوام المسلمين تخليصا لهم من المحن والمكارة ، وتسمى معونة . فلذا قالوا : إن الخوارق أنواع أربعة : معجزة ، وكرامة ، ومعونة ، وإهانة . وذهب جمهور المسلمين إلى جواز كرامة الأولياء ، ومنعه أكثر المعتزلة ، والأستاذ أبو إسحاق يميل إلى قريب من مذهبهم . كذا قال إمام الحرمين ، ثم المجوزون ذهب بعضهم إلى امتناع كون الكرامة بقصد واختيار من الولي ، وبعضهم إلى امتناع كونها على قضية الدعوى ، حتى لو ادعى الولي الولاية . واعتقد بخوارق العادات ، لم يجز ، ولم يقع ، بل ربما يسقط عن مرتبة الولاية . وبعضهم إلى امتناع كونها من جنس ما وقع معجزة لنبي ، كانفلاق البحر ، وانقلاب العصا ، وإحياء الموتى . قالوا : وبهذه الجهات تمتاز عن المعجزات ، وقال الإمام : هذه الطرق غير سديدة . والمرضي عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معرض الكرامات . وإنما تمتاز عن المعجزات بخلوها عن دعوى النبوة ، حتى لو ادعى الولي النبوة صار عدوا للّه ، لا يستحق الكرامة ، بل اللعنة والإهانة .
--> ( 1 ) سورة الجن آية رقم 26 ، 27 .