التفتازاني

7

شرح المقاصد

الأنبياء ، فيجب على اللّه تعالى عند المعتزلة لكونه لطفا وصلاحا للعباد ، وعند الفلاسفة لكونه سببا للخير العام المستحيل تركه في الحكمة « 1 » والعناية الإلهية ، وإلى هذا ذهب جمع من المتكلمين بما وراء النهي ، وقالوا : إنها من مقتضيات حكمة الباري ( عز وجل ) فيستحيل ان لا يوجد لاستحالة السفه عليه . كما أن ما علم اللّه وقوعه يجب أن يقع لاستحالة الجهل عليه ، ثم طولوا في ذلك وعولوا على ضروب من الاستدلال مرجعها إلى ما ذكرنا من لزوم السفه والعبث كما في خلق الأغذية ، والأدوية التي لا تتميز عن السموم المهلكة إلا بتجارب لا يتجاسر عليها العقلاء ، ولا يفي بها الأعمار ، وخلق الأبدان التي ليس لها بدون الغذاء إلا الفناء ، وخلق نوع الإنسان المفتقر في البقاء إلى اجتماع لا ينتظم بدون بعثة الأنبياء ، وكخلق العقل المائل إلى المحاسن ، النافر عن القبائح ، الجازم بأن شرفه وكماله في العلم بتفاصيل ذلك ، والعمل بمقتضياتها من الامتثال والاجتناب ، وأنه لا يستقل بجميع ذلك على التفصيل ، بل يفتقر إلى بيان ممن أوجدها ودعا إلى الإتيان بالبعض منها ، والانتهاء عن البعض كالمجمل من الخطاب ، فإن خلق العقل مائلا إلى المحاسن ، نافرا عن القبائح بمنزلة الخطاب في كونه دليلا على الأمر والنهي اللذين هما من الصفات القائمة بذاته تعالى ، إذ لا معنى لهما سوى الدعوة إلى المباشرة والامتناع ، وكما في جعل بعض الأفعال بحيث قد يحمد عاقبته ، فيجب . وقد يذم ، فيحرم ، كالصوم مثلا ، فلو لم يكن له بيان من الشارع لكان في ذلك إباحة ترك الواجب ، وإباحة مباشرة المحظور وهو خارج عن الحكمة ، فظهر بهذه الوجوه ، وأمثالها أنه لا بد من النبي البتة « 2 » ، ولهذا كان في كل عصر للعقلاء نبي أو من يخلفه في إقامة الدليل السمعي ، وكان الغالب على المتمسكين بالشرائع سلوك

--> ( 1 ) الحكمة : علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية فهي علم نظري غير آلي ، والحكمة أيضا هي هيئة القوة العقلية العلمية المتوسطة بين الغريزة التي هي إفراط هذه القوة ، والبلادة التي هي تفريطها . والحكمة : تجيء على ثلاثة معان . الأول الإيجاد ، والثاني العلم . والثالث الأفعال المثلثة كالشمس والقمر وغيرهما وقد فسر ابن عباس - رضي اللّه عنهما الحكمة في القرآن بتعلم الحلال والحرام ، وقيل : الحكمة في اللغة : العلم مع العمل وقيل الحكمة يستفاد منها ما هو الحق في نفس الأمر بحسب طاقة الإنسان ، وقيل كل كلام وافق الحق فهو حكمة . ( 2 ) قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .