التفتازاني

31

شرح المقاصد

الأول : أن فصحاء العرب إنما كانوا يتعجبون من حسن نظمه وبلاغته وسلاسته في جزالته ، ويرقصون رؤوسهم عند سماع قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . « 1 » الآية . لذلك ، لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها . الثاني : أنه لو قصد الإعجاز بالصرفة لكان الأنسب ترك الاعتناء ببلاغته وعلو طبقته ، لأن كلما كان أنزل في البلاغة وأدخل في الركاكة ، كان عدم تيسر المعارضة أبلغ في خرق العادة . الثالث : قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 2 » . فإن ذكر الاجتماع والاستظهار بالغير في مقام التحدي إنما يحسن فيما لا يكون مقدورا للبعض ، ويتوهم كونه مقدورا للكل ، فيقصد نفي ذلك . . فإن قيل : لو كان القصد إلى الإعجاز بالبلاغة لكان ينبغي أن يؤتى بالكل في أعلى الطبقات لكونه أبلغ في خرق العادة ، والمذهب أن اللّه تعالى قادر على أن يأتي بما هو أفصح مما أتى به وأبلغ ، وأن بعض الآيات في باب البلاغة أعلى وأرفع كقوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . « 3 » الآية . بالنسبة إلى سورة الكافرين مثلا . قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ « 4 » قلنا : هذا أوفى بالغرض ، وأوضح في المقصود . بمنزلة صانع يبرز من مصنوعاته ما ليس غاية مقدوره ونهاية ميسوره ، ثم يدعو جماهير الحذاق في الصناعة إلى أن يأتوا بما يوازي أو يداني دون ما ألقاه ، وأهون ما أبداه .

--> ( 1 ) سورة هود آية رقم 44 ( 2 ) سورة الإسراء آية رقم 88 ( 3 ) سورة هود آية رقم 44 ( 4 ) سورة الكافرون آية رقم 1