التفتازاني

329

شرح المقاصد

وشياطينهم ، أو كان في علم اللّه تعالى ممن يكفر ، وأما إذا علم من المؤمن أنه يكفر أو يفسق ثم يتوب ، أو من الكافر والفاسق أنه يزداد كفرا وعصيانا ، ولا يتوب فلا يجب الاخترام ، كما لا يجب تبقية المؤمن إذا علم منه زيادة الطاعة ، ولا تبقية الطفل إذا علم منه أنه لو كلفه آمن ، وأما تبقية إبليس وتمكينه . فقال أبو علي : إنما يحسن إذا كان المعلوم أن من يعصي بوسوسته يعصي لولا وسوسته . « 1 » قال ( الخامس الأصلح ) ( الخامس الأصلح للعباد في الدين عند البصرية ، والدنيا أيضا عند البغدادية ، واتفقوا على وجوب الاقدار والتمكين ، وأقصى ما يمكن من الأصلح لكل أحد ، حتى ليس في المقدور ما لو فعل بالكفار لآمنوا جميعا ، وإلا لكان تركه بخلا وسفها ، كالحكيم « 2 » أمر بطاعته ، ولم يعط مع القدرة وعدم التضرر ما يوصل إليه ، وكالكريم استدعى حضور ضيف ، وترك تلقيه بالبشاشة إلى الفظاظة « 3 » . وقد يتمسك بأن وجوب الفعل عند خلوص الداعي ، والقدرة قطعي ، ونحن نقول بعد التنزل ، لو وجب الأصلح لما خلق الكافر الفقير المبتلى طول عمره بالمحن والآفات ، لوجب بمقتضى تمثيلاتكم على كل أحد ، ما هو الأصلح لعبيده ، وألزم أن يكون الأصلح للكفار الخلود في النار ، وأن يكون كل ما يفعله بالعباد أداء الواجب ، فلا يستوجب شكرا ، وأن تتناهى مقدوراته من اللطف ، وأن تكون إماتة الأنبياء ، والأولياء والمحسنين والكرماء ، وتبقية الظلمة والغواة ، وإبليس والذاريات ومن

--> ( 1 ) الوسوسة : حديث النفس يقال : وسوست إليه نفسه ( وسوسة ) وسواسا بكسر الواو . والوسواس : بالفتح الاسم كالزلزال والزّلزال وقوله تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ يريد إليهما ، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل ويقال لصوت الحلى ( وسواس ) . والوسواس أيضا اسم الشيطان . ( 2 ) ورد في القرآن لفظ الحكيم على خمسة أوجه : الأول : بمعنى الأمور المقضية على وجه الحكمة قال تعالى فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ الثاني : بمعنى اللوح المحفوظ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ . الثالث : بمعنى الكتاب المشتمل على قبول المصالح الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ . وقيل : معنى الحكيم المحكم ، قال تعالى : أُحْكِمَتْ آياتُهُ سورة هود آية رقم 1 . ( 3 ) الفظّ من الرجال الغليظ ، وقد فظ يفظ بالفتح فظاظة بفتح الفاء .