التفتازاني
287
شرح المقاصد
وبالعكس ، وقد يورد ذلك في صورة كلام غدي وأمسي ، فيقال الكلام الذي أتكلم به غدا ليس بصادق أو لا شيء مما أكلم به غدا بصادق خارجية ، ثم يقتصر في الغد على قوله ذلك الكلام الذي تكلمت به أمس صادق ، فإن صدق كل من الكلام الغدي والأمسي يستلزم عدم صدقهما وبالعكس ، وهذه مغلطة تحير في حلها عقول العقلاء وفحول الأذكياء ، ولهذا سميتها مغلطة جذر الأصم « 1 » ، ولقد تصفحت الأقاويل فلم أظفر بما « 2 » يروي الغليل « 3 » ، وتأملت كثيرا ، فم يظهر إلا أقل من القليل « 4 » ، وهو أن الصدق أو الكذب كما يكون حالا للحكم أي للنسبة الإيجابية أو السلبية على ما هو اللازم في جميع القضايا ، قد يكون حكما أي محكوما به محمولا على الشيء بالاشتقاق كما في قولنا هذا صادق ، وذاك كاذب ، ولا يتناقضان إلا إذا اعتبرا حالين لحكم واحد ، أو حكمين على موضوع واحد بخلاف ما إذا اعتبر أحدهما حالا للحكم ، والآخر حكما لاختلاف المرجح اختلافا جليا . كما في قولنا : السماء تحتنا . . صادق أو كاذب أو خفيا . . كما في الشخصية التي هي مناط المغلطة ، فأما إذا فرضناها كاذبة لم يلزم إلا صدق نقيضها ، وهو قولنا هذا الكلام صادق ، فيقع « 5 » الصدق حكما للشخصية لا حالا لحكمها ، وإنما حال حكمها الكذب على ما فرضنا ، والصدق حال للنسبة الإيجابية التي هي حكم النقيض وحكم للشخصية التي هي الأصل ، فلم يجتمعا حالين لحكم ولا حكمين لموضوع وكذا إذا فرضناها صادقة ، وحينئذ فلعل المجيب يمنع تناقض الصدق والكذب المتلازمين بناء على رجوع أحدهما إلى حكم الشخصية والآخر إلى موضوعها . لكن الصواب عندي في هذه القضية ترك الجواب والاعتراف بالعجز عن حل الإشكال . الخامس : لو كان الفعل حسنا أو قبيحا لذاته لزم قيام العرض بالعرض وهو باطل باعتراف الخصم وبما مرّ من الدليل ، وجه اللزوم أن حسن الفعل مثلا أمر زائد عليه ،
--> ( 1 ) جذر الأصم : ( هو الكسر الذي لا يمكن النطق به ) . ( 2 ) في ( ب ) إلا بدلا من ( بما ) . ( 3 ) في ( ب ) أقل القليل بدلا من ( القليل ) . ( 4 ) سقط من ( ب ) من وتأملت إلى قوله : القليل ) . ( 5 ) في ( ب ) فيمتنع بدلا من ( فيقع ) .