التفتازاني
249
شرح المقاصد
القائلون بأن أفعال العباد واقعة بخلقهم وإيجادهم استقلالا ، افترقوا فرقتين . فأبو الحسين البصري وأتباعه ، ادعوا أن هذا الحكم ضروري مكروز في عقول العقلاء المنصفين الخالين عن « 1 » تقليد أسلافهم ، وذكروا في ذلك وجوها على قصد التنبيه أو الاستدلال ، فإنه ربما يكون الحكم ضروريا ، والحكم بضروريته ، استدلاليا . الأول : أن كل أحد يفرق بالضرورة بين حركاته الاختيارية كالمشي على الأرض ، والصعود إلى الجبل ، والاضطرارية كالارتعاش ، والسقوط من السطح ، وما ذاك إلّا بأن الأولى بقدرته وإيجاده بخلاف الثانية . الثاني : أن كل أحد يعلم بالضرورة أن تصرفاته واقعة بحسب قصده وداعيته ، كالإقدام على الأكل والشرب عند اشتداد الجوع ، والإحجام عنهما إذا علم أن في الطعام والماء سما ، ولا معنى لوجود الفعل بالاختيار إلا الذي يحدث منه الفعل على وفق دواعيه . الثالث : أن كل فاعل يعلم « 2 » بالضرورة حسن مدح من أحسن إليه وذم من أساء ، ولولا أنه « 3 » يعلم بالضرورة كونه المحدث لتلك الأفعال لما حكم بذلك ، كما لا يحكم بحسن المدح والذم على ما ليس من أفعاله ، ولهذا إذا رمى العاقل ندم الرامي لا الآخرة . الرابع : أنه يعلم بالضرورة صحة القيام أو المشي من الصحيح البنية لا من الزمن والمقعد بناء على صحة حدوثهما من الأول دون الثاني ، وإذا كان الفرع ضروريا - فالأصل بطريق الأولى . الخامس : أنه يعلم بالضرورة أنه يصح منه تحريك المدرة دون الجبل ، ولا معنى لهذا سوى العلم بقدرته على تحريكها دونه ، ولهذا يقصد الحمار طرف الجدول « 4 » الضيق دون الواسع .
--> ( 1 ) في ( ب ) من بدلا من ( عن ) . ( 2 ) في ( ب ) عاقل بدلا من ( فاعل ) . ( 3 ) في ( ب ) ولو بدلا من ( لولا ) . ( 4 ) في ( أ ) طفر بدلا من ( طرف ) وهو تحريف .