التفتازاني
245
شرح المقاصد
إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 1 » إن جميع الحسنات والسيئات من الطاعات والمعاصي وغيرها ، بخلق اللّه ومشيئته ، لأن منشأ الاحتياج أعني الإمكان أو الحدوث مشترك بين الكل بحيث لا ينبغي أن يخفى على العاقل ، فما لهم لا يفهمون ذلك فعلى هذا يكون قوله بعد ذلك ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ « 2 » واردا على سبيل الإنكار أي كيف تكون هذه التفرقة أو محمولا على مجرد السببية دون الإيجاد توفيقا بين الكلامين ، ومن قوله تعالى وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 3 » وقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 4 » أن الإيمان وجميع الطاعات حاصلة من اللّه وبتكوينه لكونها نعما لنا ومرادة له . ومن قوله تعالى كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ « 5 » أنه الذي أثبت الإيمان ، وأوجده في القلوب . ومن قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى « 6 » أنه يوجد الضحك والبكاء ، ومن قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 7 » أنه الموجد لسيرنا ومن قوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ « 8 » أنه الموجد لوقوف الطير في الهواء ، مع أنه فعل اختياري من الحيوان ، وأمثال هذا كثيرة جدا رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي « 9 » وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 10 » رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا « 11 » وتأويلات القدرية عدول عن الظاهر بلا ضرورة لما سيأتي من إبطال أدلتهم القطعية .
--> ( 1 ) سورة النساء آية رقم 78 . ( 2 ) سورة النساء آية رقم 79 . ( 3 ) سورة النحل آية رقم 53 . ( 4 ) سورة النحل آية رقم 40 . ( 5 ) سورة المجادلة آية رقم 22 . ( 6 ) سورة النجم آية رقم 43 . ( 7 ) سورة يونس آية رقم 22 . ( 8 ) سورة النحل آية رقم 79 . ( 9 ) سورة طه آية رقم 25 . ( 10 ) سورة آل عمران آية رقم 126 . ( 11 ) سورة آل عمران آية رقم 8 .