التفتازاني

224

شرح المقاصد

وهي بالفعل . وذكر الإمام الرازي وتبعه بعض المعتزلة أن العبد عندهم موجد لأفعاله على سبيل الصحة والاختيار . وعند الحكماء على سبيل الإيجاب بمعنى أن اللّه تعالى يوجب للعبد القدرة والإرادة ثم هما يوجبان وجود المقدور ، وأنت خبير بأن الصحة إنما هي بالقياس إلى القدرة . وأما بالقياس إلى تمام القدرة والإرادة فليس إلا الوجوب ، وأنه لا ينافي الاختيار ، ولهذا صرح المحقق في قواعد العقائد أن هذا مذهب المعتزلة والحكماء جميعا . نعم إن إيجاد « 1 » القوى والقدر عند المعتزلة بطريق الاختيار ، وعند الحكماء بطريق الإيجاب لتمام الاستعداد ، ثم المشهور فيما بين القوم ، والمذكور في كتبهم أن مذهب إمام الحرمين ، أن فعل العبد واقع بقدرته وإرادته إيجابا « 2 » كما هو رأي الحكماء ، وهذا خلاف ما صرح به الإمام فيما وقع إلينا من كتبه ، قال في الإرشاد : اتفق أئمة السلف قبل ظهور البدع والأهواء على أن الخالق هو اللّه ، ولا خالق سواه ، وأن الحوادث كلها حدثت بقدرة اللّه تعالى من غير فرق بين ما يتعلق قدرة العباد به ، وبين ما لا يتعلق ، فإن تعلق الصفة بشيء لا يستلزم تأثيرها فيه كالعلم بالمعلوم والإرادة بفعل الغير ، فالقدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلا ، واتفقت المعتزلة ومن تابعهم من أهل الزيغ على أن العباد موجدون لأفعالهم ، مخترعون لها بقدرهم ثم المتقدمون منهم كانوا يمنعون من تسمية العبد خالقا لقرب عهدهم بإجماع السلف على أنه لا خالق إلا اللّه . واجترأ المتأخرون فسموا العبد خالقا على الحقيقة هذا كلامه ، ثم أورد أدلة الأصحاب ، وأجاب عن شبه المعتزلة ، وبالغ في الرد عليهم وعلى الجبرية « 3 » ، وأثبت للعبد كسبا وقدرة مقارنة للفعل غير مؤثرة فيه ، وأما الأستاذ فإن أراد أن قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير ، وإذا انضمت إليها قدرة اللّه تعالى صارت

--> ( 1 ) في ( أ ) بزيادة حرف ( إن ) . ( 2 ) في ( ب ) بزيادة لفظ ( إيجابا ) . ( 3 ) الجبرية : مذهب تقول به بعض الفرق الإسلامية اشتقت الجبرية من الجبر ، وهو نفي الفعل حقيقة من الإنسان ونسبته إلى اللّه تعالى لهذا تعتبر الجبرية ضد مذهب القدرية ، إذ أن الجبرية تنفي الإرادة الإنسانية حقيقة واختلف القائلون بالجبرية فمنهم من اعتنق الجبرية الخالصة كالجهمية وهؤلاء لا يثبتون للإنسان فعلا ولا قدرة على فعل شيء أصلا ، وبعض الجبرية تنسب للإنسان قدرة ولكنها غير مؤثرة أصلا إذ أن القدرة المؤثرة تعتبر كسبا وليست جبرا وبعض الجبرية يقولون : إن أفعال الإنسان أعمال لا فاعل لها . راجع معجم القاموس الإسلامي ج 1 ص 577 .