التفتازاني

144

شرح المقاصد

المعجزات من غير توقف على إخبار اللّه تعالى عن صدقهم بطريق التكلم ليلزم الدور ، وقد يستدل على ذلك بدليل عقلي على قياس ما مرّ في السمع والبصر ، وهو أن عدم التكلم ممن يصح اتصافه بالكلام . أعني الحي العالم القادر نقص ، واتصاف بأضداد الكلام ، وهو على اللّه تعالى محال . وإن نوقش في كونه نقصا ، سيما إذا كان مع قدرة على « 1 » الكلام ، كما في السكوت ، فلا خفاء في أن المتكلم أكمل من غيره . ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق والاعتراض . والجواب : هنا كما مرّ في السمع والبصر وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب في كون الباري تعالى متكلما . وإنما الخلاف في معنى كلامه ، وفي قدمه وحدوثه ، فعند أهل الحق كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف . بل صفة أزلية قائمة بذات اللّه تعالى منافيه للسكوت ، والآفة كما في الخرس والطفولة هو بها آمر ناه مخبر وغير ذلك ، يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة ، فإذا عبر عنها بالعربية فقرآن ، وبالسريانية فإنجيل ، وبالعبرانية فتوراة . والاختلاف على العبارات دون المسمى كما إذا ذكر اللّه تعالى بألسنة متعددة ، ولغات مختلفة . وخالفنا في ذلك جميع الفرق . وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعاني المقصودة ، وأن الكلام النفسي غير معقول . ثم قالت الحنابلة « 2 » والحشوية « 3 » : إن تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتب بعضها على البعض ، وكون « 4 » الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقا بالحرف المتقدم عليه كانت ثابتة في الأزل ، قائمة بذات الباري تعالى وتقدس ، وأن المسموع من أصوات القراء والمرئي « 5 » من أسطر الكتاب نفس كلام اللّه تعالى القديم ، وكفى شاهدا على جهلهم ما نقل عن بعضهم أن الجلدة والغلاف أزليان ، وعن بعضهم أن الجسم

--> ( 1 ) راجع في ذلك كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج 3 ص 4 إلى 14 وكتاب المواقف المقصد السابع من الجزء الثامن ص 91 إلى 104 . ( 2 ) سبق التعريف بفرقة الحنابلة . ( 3 ) سبع التعريف بالحشوية . ( 4 ) في ( ب ) يكون بدلا من ( وكون ) . ( 5 ) في ( ب ) القرآن الذي بدلا من ( القراء والمرئى ) .