التفتازاني
88
شرح المقاصد
البلادة . فاتفق أن أتاه إلى خلوته رجل لا يعرفه ، فقال له : قم يا سعد الدين لنذهب إلى السير . فقال : ما للسير خلقت . أنا لا أفهم شيئا مع المطالعة ، فكيف إذا ذهبت إلى السير ولم أطالع . . ؟ فذهب وعاد وقال له : قم بنا إلى السير ، فأجابه بالجواب الأول ، ولم يذهب معه فذهب الرجل وعاد وقال له مثل ما قال أولا . فقال : ما رأيت أبلد منك ، ألم أقل لك : ما للسير خلقت ؟ فقال له : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدعوك ، فقام منزعجا ولم ينتعل ، بل خرج حافيا ، حتى وصل إلى مكان خارج البلد به شجيرات ، فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه تحت تلك الشجيرات ، فتبسم له وقال : نرسل إليك المرة بعد المرة ، ولم تأت ، فقال : يا رسول اللّه ما علمت أنك المرسل ، وأنت أعلم بما اعتذرت به من سوء فهمي ، وقلة حفظي ، وأشكو إليك ذلك . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : افتح فمك ، وتفل له فيه ، ودعا له ثم أمره بالعودة إلى منزله ، وبشره بالفتح ، فعاد وقد تضلع علما ونورا ، فلما كان من الغد أتى إلى مجلس العضد ، وجلس مكانه ، فأورد في أثناء جلوسه أشياء ظن رفقته من الطلبة أنها لا معنى لها ، لما يعهدون منه ، فلما سمعها العضد بكى وقال : أمرك يا سعد الدين إليّ فإنك اليوم غيرك فيما مضى . ثم قام من مجلسه وأجلسه فيه ، وفخم أمره من يومئذ « 1 » . كم كان عمره عندما حدث له ذلك . . ؟ لا شك أنه لم يبلغ الخامسة عشر .
--> ( 1 ) راجع شذرات الذهب ج 6 ص 320 ، 321 . ونحن نشك في هذه الحادثة التي ذكرها الإمام ابن العماد الحنبلي أن تكون حدثت يقظة ، فإن هذا بعيد الاحتمال ، وإن كان رجال التصوف يقررون بأنهم يشاهدون الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقظة ، وكما قال العباس المرسي رضي اللّه عنه « لو غاب عني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لحظة ما عددت نفسي من الأبدال » . ومع ذلك فالرأي الذي نرتضيه أن ما حدث للسعد - على فرض وقوعه - كان رؤيا منامية .