التفتازاني
80
شرح المقاصد
فهل ترى التفتازاني طابت نفسه ، وهدأت روحه بمقامه بالقرب من البساتين الفواحة بالعطر ، والحدائق المليئة بالأرج ؟ غالب الظن أنه لم يكن هادئ البال ، ولا مستريح الفكر ، لأننا لم نجد له إنتاجا يذكر في هذه المدينة ، أم إنه كان هادئ البال ومستريح الفكر ، ونعيم الحياة ، ورغد العيش يغريان بالكسل ، ويدفعان إلى التراخي . . ؟ أربع سنوات كوامل قضاها في ( هراة ) كيف كان يشغل وقته ؟ وفي أي الأعمال كان يقدح فكره ؟ إننا نفاجأ به يغادر هراة من غير دواع دعته إلى المغادرة والهجرة ، حيث يسرع السير إلى بلدة ( حام ) ولقد طاب له فيها المقام واستقر بها النوى ، ويفرغ فيها من كتابه ( شرح الشمسية ) في المنطق عام 752 ه ثم يتركها إلى غيرها . فمتى ترك بلدة ( حام ) وإلى أي البلاد كانت وجهته ؟ لا نستطيع أن نحدد تاريخا ثابتا لمفارقته لهذه البلدة . ولكن ابن العماد الحنبلي في كتابه ( شذرات الذهب ) يحدثنا عن وجوده فجأة عام 756 ه . في ( غجدوان ) وهي من قرى بخارى ، ولقد أتم فيها كتابه ( المختصر على التلخيص ) ولا يطيب له المقام في بلدة ( غجدوان ) أكثر من عامين ينتقل بعدها إلى ( كلتستان ) إحدى مدن ( تركستان ) وفيها يفرغ من كتابه ( التلويح على توضيح غوامض التنقيح ) ويبقى في ( كلتستان ) عاما واحدا ليعود منها مرة أخرى إلى ( هراة ) عام 759 ه حيث يشرع في تأليف كتابه ( فتاوى الحنفية ) ثم يترك ( هراة ) إلى جرجانية حيث يطيب مقامه فيها فيستقر حوالي عشر سنوات ، وفي الحقيقة كانت هذه العشر أخصب سني حياته ، حيث كتب ( شرح العقائد النسفية ) سنة 768 ه . وفرغ من ( الإرشاد في النحو ) سنة 774 ه كما ذكره الشوكاني وابن العماد واللكنوي أو سنة 778 ه كما ذكره ( طاشكبريزاده ) ويروي ( خواندمير ) أنه لما غزا ( تيمور ) خوارزم ولعل ذلك بين عامي 780 ه 781 ه 1379 م طلب ملك محمد السرخي بن ملك معز الدين حسين كرت إلى ابن أخيه بير محمد غياث الدين بير علي . وكان يومئذ من بطانة تيمور أن يستأذن مولاه في إيفاد التفتازاني إلى سرخس ، فأذن تيمور ، ولكنه عرف بعد ذلك فضله في العلم ، فأرسل إليه يستقدمه إلى سمرقند ، وقعد التفتازاني أول الأمر عن إجابة دعوته ، معتذرا بأنه يتهيأ للسفر إلى الحجاز فأرسل إليه يدعوه ثانية ، فانتقل