التفتازاني
72
شرح المقاصد
والحيوانات . ولما قلت الأموال التي يشترون بها ، ما يسدون به رمقهم ، باعوا كل شيء يملكونه حتى أولادهم وأهليهم ، وبيع الولد في ذلك الحين بخمسين درهما ، بل وبأقل من ذلك . وما حدث في الجزيرة والموصل ، حدث مثله في مصر والشام ، ومكة والمدينة ، واشتد الأمر على الناس حتى أكلوا الكلاب والحمير والخيل والبغال ، ولم يبق شيء من الدواب عند أحد من الناس ، وبيع الكلب في ذلك الوقت بخمسة دراهم « 1 » فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . هذه صورة الحياة الاجتماعية في القرن الثامن الهجري ، تؤلم القلوب ، وتدمع العيون ، وتوقظ الإنسانية من غفلتها ، وتدفعها إلى تصور البلاء الذي يصيب اللّه به عباده ، إذا ما ابتعدوا عن نهجه القويم ، أو تهاونوا في تكاليفه العظيمة ، أو سلكوا مسالك الشيطان ، أو أغرتهم قوتهم ، فظنوا أنهم هم القادرون والمسيطرون ، وصدق اللّه في قوله : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تاريخ مصر لابن أياس ج 1 ص 133 والبداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 343 . ( 2 ) سورة الإسراء آية رقم 16 .