التفتازاني
52
شرح المقاصد
لقد خفيت على الملائكة حكمة اللّه سبحانه وتعالى في بناء هذه الأرض وعمارتها ، وفي تنمية الحياة وتنوعها ، وفي تحقيق إرادة الخالق ، وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها على يد خليفة اللّه في أرضه هذا الذي قد يفسد أحيانا ، وقد يسفك الدماء أحيانا ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل ، خير النمو الدائم ، والرقي الدائم خير الحركة الهادمة البانية ، خير المحاولة التي لا تكف ، والتطلع الذي لا يقف والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء ، والخبير بمصائر الأمور . قال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . وأيضا الجدل الذي تم بين أبناء آدم . قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ « 1 » . لقد حكم أحدهما رغباته وشهواته ، والرغبة تعمي وتصم . وكما قال ( اسبينوزا ) : « إن الرغبة هي التي ترينا الأشياء مليحة لا بصيرتنا » . والحقيقة أن القارئ لتاريخ البشرية يرى أن هذه الرغبة لم يخل منها عصر من العصور ، ولا جيل من الأجيال . فلما كانت دولة اليونان القديمة ظهر فيها علم المنطق والجدل فوضعوا لهما الأصول وقعدوا لهما القواعد . وكان العقلاء منهم ينظرون إلى الجدل نظرة اشتباه وإنكار وهو الذي سموه - بعد - بالسفسطة أو ترفّقوا فسموه علم البراهين الخطابية ، وحسبوه صناعة لازمة في معرض الإقناع والتأثير .
--> ( 1 ) سورة المائدة آية رقم 27 - 28 .