ابن قيم الجوزية

82

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

( خطاب اللّه المتعلق بأعمال المكلفين على سبيل الاقتضاء أو الندب أو التخيير ) ويقسمونه إلى واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح ، فهذا الحكم هو متعلق إرادته الدينية الشرعية ، ويتناول كل ما كلف اللّه به عباده على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام من أفعال وتروك . وأما حكم كوني قدري يتعلق بكل ما شاء اللّه كونه مما سبق به قدره ، كما في قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] وفي الحديث « ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن » ولا تلازم بين الحكمين الشرعي والقدري ، وليس أحدهما مساويا للآخر في مفهومه ولا في متعلقه ، بل قد يوجد كل منهما بدون الآخر ، كما أنهما قد يوجدان معا ، فبينهما عموم وخصوص من وجه ، فالحكم الكوني القدري ينفرد في مثل كفر الكافر ومعصية العاصي ، فهو مراده بالإرادة الكونية دون الشرعية . والحكم الشرعي ينفرد في مثل إيمان الكافر وطاعة العاصي ، فهو مراد بالإرادة الشرعية دون الكونية ، ويجتمع الحكمان معا في مثل إيمان المؤمن وطاعة المطيع ، فهو مراد بالإرادتين معا . والإرادة الكونية أعم من جهة تعلقها بما هو واقع مما لا يحبه اللّه ويرضاه من الكفر والمعاصي ، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بما ليس بواقع مما يحبه اللّه ويرضاه من إيمان الكفار وطاعة العصاة . والإرادة الشرعية أعم من جهة أنها تتعلق بكل ما يحبه اللّه ويرضاه واقعا كان أو غير واقع . وأخص من جهة أنها لا تتعلق بما هو واقع من الكفر والمعاصي المرادة بالإرادة الكونية وعلى كل فلا يمكن أن يخلو المربوب عن أحد الحكمين ، بل لا بد أن يوجد فيه أحدهما أو هما معا فلا يمكن ارتفاعهما عنه ، لكن الحكم الشرعي يتعلق كما قلنا بما يحبه اللّه ويرضاه دائما ، ولم يخل عنه الوجود في وقت من الأوقات ، بل لم يزل اللّه آمرا ناهيا متعبدا عباده بما يشاء . فالحكم الشرعي هو أمره الديني الذي بعث به رسله وأمرهم بإقامته في جميع الأزمان . وأما حكمه الكوني فهو قضاؤه في خلقه بالعدل والإحسان ، فأفعاله كلها في خلقه دائرة بين الرحمة والفضل ، وبين الحكمة والعدل ، فقضاؤه سبحانه حق كله