ابن قيم الجوزية
77
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
فصل وهو المكلم عبده موسى بتك * ليم الخطاب وقبله الأبوان كلماته جلت عن الإحصاء والتعداد * بل عن حصر ذي الحسبان لو أن أشجار البلاد جميعها ال * أقلام تكتبها بكل بنان والبحر تلقى فيه سبعة أبحر * لكتابة الكلمات كل زمان نفدت ولم تنفد بها كلماته * ليس الكلام من الإله بفان الشرح : سبق الكلام على صفة الكلام بما يغني هنا عن إعادته ، ولكن وفاء بحق الشرح نجمل ذلك في أن اللّه تبارك وتعالى متكلم متى شاء وكيف شاء ، لم يزل ولا يزال موصوفا بصفة الكلام ، وأن كلامه من صفاته الذاتية الفعلية غير مخلوق كسائر صفات أفعاله المتعلقة بمشيئته وقدرته ، وأنه كلم عبده موسى بن عمران كفاحا من غير واسطة بكلام سمعه موسى وناداه وقربه نجيا ، كما ورد بكل ذلك آيات الكتاب العزيز . وأنه كلم من قبله الأبوان آدم وحواء حين أزلهما الشيطان بالأكل من الشجرة فقال سبحانه معاتبا لهما : أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [ الأعراف : 22 ] وأن كلماته لا حصر لها ولا عد إذ كان ما تعلقت به لا يدخل تحت حصر وعد . فهو يتكلم بما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله ، وبما يتعلق بجميع مخلوقاته وأحكامه القدرية والشرعية والجزائية وكلماته كلها صدق وعدل صدق في الاخبار وعدل في الأوامر والنواهي والأحكام ، كما قال سبحانه : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ الأنعام : 115 ] . وأما قوله ( لو أن أشجار البلاد جميعها ) إلخ الأبيات فهو إشارة إلى قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] . يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه اللّه :