ابن قيم الجوزية

34

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

الشرح : يناقش المؤلف رحمه اللّه هؤلاء النافين للصفات بحجة التركيب في معاني التركيب الستة السابقة ، وأيها يصح أن يسمى تركيبا وأيها لا يصح ، فيقول ان المعنيين الأولين للتركيب ، وهما التركب من أمور متباينة أو أمور متجاورة لا ينازع أحد في صدق مفهوم التركيب عليهما لفظا وعقلا ، وجميع الأعيان الخارجية انما يرجع التركيب فيها إلى واحد من هذين النوعين . وأما الأوسطان ، أعنى التركب من جواهر فردة غير قابلة للقسمة أو من هيولى وصورة ، فهما اللذان تنازع الفلاسفة والمتكلمون في تركب الجسم منهما ، فذهب المتكلمون إلى الأول والفلاسفة إلى الثاني ، وذهب النظام من المعتزلة إلى تركبه من أجزاء غير متناهية ، وأما المعنيان الآخران للتركيب ، أعني التركب من الذات والصفات أو من الماهية ووجودها ، فهما اللذان دارت رحى الحرب عليهما بيننا وبين المعطلة النفاة ، فهم جعلوا وصفه سبحانه بالعلو على خلقه ، ووصفه كذلك بجميع صفاته العليا التي تثبت له بالعقل والنقل القطعيين من جملة التركيب المحال ثم نفوا مضمونها من غير برهان ولا دليل ، فجعلوا اصطلاحهم في تسمية هذا المعنى تركيبا سلما لهم إلى النفي والتعطيل ، ونحن ننازعهم في تسمية هذا المعنى تركيبا ، إذ لا يدل على ذلك شيء من نقل ولا لغة ، ولئن سلمنا لهم اصطلاحهم في تسميته تركيبا ، فلا نسلم لهم أنه تركيب محال ، فان التركب من ذات واحدة وصفات لا ينافي التوحيد بأي حال . لكن إذا قيل اصطلاح حادث * لا حجر في هذا على انسان فنقول نفيكم بهذا الاصطلا * ح صفاته هو أبطل البطلان وكذاك نفيكم به لعلوه * فوق السماء وفوق كل مكان وكذاك نفيكم به لكلامه * بالوحي كالتوراة والقرآن وكذاك نفيكم لرؤيتنا له * يوم المعاد كما يرى القمران وكذاك نفيكم لسائر ما أتى * في النقل من وصف بغير معان